نشر بتاريخ: 09 مارس، 2018
غزة-رام الله مكس
بين غزة ورام الله تتوزّع أطراف القصة هذه المرّة، التي ما لبث الاحتلال إلّا أن فرّق أبطالها كلًا في وادٍ، حيث لا سبيل لكليهما بالوصول إلى الآخر.
لم تكن المسافة بعيدة أبدًا، بضع ساعات قليلة بالسيّارة، إلا أن الفكرة ليست جغرافية بالمطلق، لأن الوصول إلى أمريكا في أقصى الغرب، قد يبدو أسهل على “عطيّة” من الوصول إلى “ملاكه” في شق الوطن الآخر.
في الرابع من كانون أول 2013، خرج “عطية مدحت شنغان” (23 عامًا) من رحم قطاع غزة وصولًا إلى الضفة المحتلة؛ بتحويلة طبيّة لإجراء عملية غضروف في رقبته، وهي فرصة حقيقية أمامه للقاء بنو عمومته هناك والتشاور حول إمكانية البقاء والاستقرار بدلًا من الرجوع لغزة وظروفها الصعبة.
في بلدة الرام شمالي القدس المحتلة، التقى مدحت قريبته، أحبّها وتزوّجها في ليلة أضيئت بالفرح، سكنا سويًا في منزل صغير بالإيجار، مقابل 850 شيكلًا، مما يتطلب منه البحث عن عمل مستقر لتأمين حياته ومسكنه.
بدأ عطية بالبحث عن عمل بالضفة، فعمل في شركة للتموين لعدة شهور، ثم انتقل للعمل في مخبز بدوام 12 ساعة يوميًا وبمقابل لا يكفي لسد الحاجات، لاحقًا قرر العمل في مقهى بلدنا وسط مدينة رام الله يقضي يومه هناك ويعود ليلًا وقد أكل منه التعب لتأمين حياته.
عامان مضيا وهو يتنقل بين عمل وآخر أملًا في فرصة أفصل يستطيع فيها الراحة نسبيًا وتأمين ايجار السكن، والتكفل بزوجته التي أضحت حاملًا في شهرها الخامس لنجله البكر.
بعد مشورة من العائلة، اقترح أحدهم عليه العمل في الأراضي المحتلة عام 48، لفترة وجيزة يؤمن من خلالها مصروفه ومسكنه وحياته ويدّخر لوقت الشدّة، سيما أن المقابل في الداخل أفضل –حسب قريبه- من العمل في رام الله.
كان له ذلك، صباح الرابع والعشرين من نيسان 2015، ارتدى ملابسه سالكًا برفقة الرجل مُقترح المشورة، طريق بير نبالا ثم إلى القدس وصولًا إلى تلنسيا في الطيبة بالداخل المحتل، دون أن يملك من أمره شيء فلا تصريح عمل ولا سبب يدفعه للطمأنينة.
كانت هذه ملامح نهاية مرحلة، لم يكن يرغب في إنهائها على هذه الشاكلة، أوقفته قوات الاحتلال على الطريق واحتجزته لساعات، بينما قرر ضابط بجيش الاحتلال ترحيله إلى غزة بعدما رأى في هويته “بعبع غزة”، بحسب عطيّة.
الثانية فجرًا تقريبًا، وصل إلى غزة بخفي حنين، تاركًا خلفه زوجة وابنه المنتظر في بطنها، بينما لم تشفع محاولات اقناع ضابط الاحتلال بعقد الزواج الموجود، كونها لم تكن مُضافة بعد في هويته الشخصية، كما أنه كان قد قدّم على طلب تغيير مكان إقامة منذ سنوات لكن لم يتم التعاطي معه.
شهور قليلة، وضعت زوجته مولودها وحدها، دون أن تجد يد زوجها بالقرب، بينما لم يجد “مدحت” الصغير والده بجانبه يؤذن له في أذنٍ ويرفع الاذان بالأخرى، إنها سياسة الاحتلال في التفريق بين أقرب القلوب اتصالًا، حينما حرمت أب من رؤية ابنة الأول.
لم تتوقف محاولات “عطية” في التقدم بطلب للشئون المدنية لمعاودة السفر إلى الضفة المحتلة عبر تقديم تقاريره الطبية، لكن ذلك لم ينجح، حيث جاءه قرار الرفض في شهر آيار 2015، حاول بعدها مرة أخرى عبر تقديم عقد الزواج وطلب زيارة الأقارب قوبل بالفشل أيضًا.
في المقابل، فان عائلة زوجته رفضت التفكير في ارسالها إلى غزة للعيش مع زوجها، لأنهم لا يرغبون في أن تبتعد ابنتهم الوحيدة عنهم إلى غزة حيث لا أخ لها بغزة ولا أب ولا أحد، وسيعتبر قرار سفرها لغزة حرمانها من العائلة بأكملها، إضافة إلى عدم الرغبة في سفرها لغزة حيث الظروف الصعبة.
يقول عطية، ناشدت كل من يستطيع مساعدتي برؤية ابني وزوجتي، سواء بذهابي أو إحضارهم لي، أو السماح بقبول تحويلتي الطبيّة لمعاودة السفر إلى الضفة واحتضان ابني الذي أتمّ عامه الأول قبل أيام
ويضيف، أناشد الرئيس محمود عباس والسيد حسين الشيخ وكافة الجهات والمؤسسات المعنية بالعمل على مساعدتي والتقريب بيني وبين زوجتي ولمّ شمل العائلة التي فرّقها الاحتلال في وطنٍ واحد، ليحرم زوجة من زوجها وطفل من أبيه.
دموعٌ عزيزة تلك التي ذرفها عطية حين عرضت له زوجته إلكترونيًا فيديو مصورًا لابنه في عيد ميلاده الأول دون أن ينطق كلمة “بابا” أو يجده بقربّه ويحتضه، ودعوات أن يكون عامه المقبل احتفال بعائلة أكبر ووطن محرّر.
رقم الهاتف 0597765952