
رام الله مكس - قرية “بيت دقو” شمال غرب مدينة القدس المحتلة كانت تفتخر بكونها مصدرة ثمار فاكهة العنب في الثمانينيات من القرن الماضي إلى مناطق فلسطين المحتلة والعاصمة الأردنية ودول الخليج العربي، لكنها اليوم عاجزة عن بيع عنبها الذي أصبح يقدر فقط بـ 100 طن في مدينة رام الله.
وكانت مجموعة من مزارعي القرية قد قررت الذهاب بعينها إلى مدينة رام الله والإلقاء بعنبها في شوارع المدينة احتجاجا على عدم قدرتها على بيعه في ضوء رخص سعره بفعل منافسة العنب الآتي من المستوطنات والمزارع الإسرائيلية. لكن نشطاء في القرية جعلوهم يعدلون عن موقفهم هذا بإقناعهم بتنظيم وقفة احتجاجية اقترح أن تكون على مدخل القرية.
المرشد التربوي رشيد داوود كان أحد النشطاء الذين نسقوا الوقفة الاحتجاجية الغاضبة، ولولاه لنفذ المزارعون قرارهم الاحتجاجي المتمثل برمي العنب في شوارع المدينة، وهو ما جلب عشرات وسائل الإعلام التي نقلت معاناة المزارعين وعكست تحولات اقتصادية/ زراعية تعيشها عموم القرى الفلسطينية الزراعية بفعل سياسات رسمية لا تدعم المزارع ولا تساند منتجاتهم.
عنب يبحث عن هوية
وحسب المزارع السبعيني محمود صالح الذي يمتلك محصولا يتجاوز 10 أطنان من العنب فإن ثمن العنب الفلسطيني في السوق يتراوح ما بين 2 – 3 شيقل للكيلو (أقل من دولار)، فيما يباع العنب الإسرائيلي في السوق الفلسطينية بما بين 10 – 12 شيقل للكيلو (ما بين 3 ـ 4 دولارات أمريكية).
ويحكي المزارع صالح الذي ورث حقول العنب “أبا عن جد” كما يقول، أن “عنب “بيت دقو” “بدور (يبحث) عن هوية… يحتاج لهوية تمنحه قيمته وتعيد له عزوته وقوته التي كانت بالماضي”.
ويتابع الحاج صالح: “هذا أصعب موسم نمر به، ومشكلتنا لم تبدأ اليوم بل منذ سنوات، لكن الناس اليوم لا يريدون شراء عنب بعل وبدون كيماويات وبلا أسمدة، لا يريدون عنبنا معروفا أصله وفصله، ويقبلون على عنب المستوطنات”.
وأضاف: “نحن أيتام فعليا، ولا حلول بالأفق، ولا أحد يسأل عن مصير هذه المنتج الفلسطيني، المواطن يفضل المنتج الإسرائيلي ذا الحبات الكبيرة التي تفتقد للطعم الحقيقي، شكلها زجاجي جميل لكنها تفتقد الطعم الحقيقي”.
وتابع الحاج صالح، الذي يعمل في العنب منذ أكثر من 60 عاما ويرفض ترك حقوله: “ثقافة الأمة اليوم تعيش انتكاسه تجعلها تقبل على منتجات المستوطنات، نحتاج إلى تنمية ثقافية تعيد الاعتبار للمنتج الوطني الصحي”.
وتابع: “أما المشكلة الثانية التي نعاني منها فتتعلق بانتشار الخنازير البرية التي دمرت أكثر من نصف محصول هذا العام”.
وأشار الى أن الخنازير التي يبلغ عددها الآلاف تهاجم المزارع لتبيد كل المحصول، 50 % من محصول عنب القرية دمرته الخنازير، ولا أحد يتدخل في حل هذه المشكلة التي نعاني منها منذ سنوات واليوم نشهد نموا كبيرا في عددها وفعلها المدمر”.
ويؤكد رشيد داوود أن مزارعي “بيت دقو” (التي تبعد 13 كيلومترا عن القدس) يعانون من ضعف التسويق بفعل تسيد المنتج الإسرائيلي، حيث “يضطر المزارعون إلى بيع كرتونة العنب بمبلغ 10 شيقل بدلا من إعادتها أو رميها، وهو ثمن لا يجعل المزارع يحصل على تكاليف زراعته”.
ويشير إلى أن أكثر من 20 عائلة تعتمد على محصول العنب كمصدر دخل أساسي في القرية، وهؤلاء إذا لم يتمكنوا من استعادة تكاليف زراعتهم فإنهم سيعانون اقتصاديا طوال العام.
يؤكد داوود الذي عمل لسنوات في حقول العنب في البلدة لـ”القدس العربي” أنه في فترة الثمانينيات كان السياح وحتى المستوطنون يأتون للقرية من أجل الفرجة على حقول العنب الممتدة، كانوا مندهشين مما يرونه، في تلك الفترة لم يكن المستوطنون يزرعون العنب، أما اليوم فقد أخذوا زراعة المحصول منا وها هم ينافسوننا، وإذا استمر الحال على هذا النحو لن يكون في القرية أي محصول عنب”. ويشير البيان الصحافي الذي وزعته الحملة الاحتجاجية أن وضع البلدة الزراعي يحتاج إلى “صرخة وطنية لدعم منتج العنب الفلسطيني الذي تراجع انتاجه من 400 طن الى أقل من 100 طن سنوياً”.
يروي المرشد التربوي والمزارع داوود قائلا: “بدأ التحول في بيت دقو منذ عام 2000، قبل هذا التاريخ كان كل سكان البلدة التي يقدر عدد سكانها بـ 2000 نسمة يعملون بالزراعة وتحديدا العنب والتين واللوزيات، لكن التحول المدمر الذي أخرج المزارعين من حقولهم ودفع بهم إلى العمل بالمستوطنات وفلسطين المحتلة عام 1948 تمثل في تراجع الدخل من الزراعة بفعل السياسات الفلسطينية غير الداعمة، وانتشار الأمراض التي لم يوجد أي جهود لمواجهتها”.
وأضاف: “عندما أصبح العمل في المستوطنات يدر دخلا كبيرا وثابتا على العمال مع بداية سيطرة المنتجات الإسرائيلية على السوق الفلسطينية بدأ الفلاحون يتسربون من الأرض، واليوم نجد أن مئات العائلات تركت الأرض، وما يجري اليوم سيقود حتما إلى ترك من تبقى من المزارعين لأراضيهم”.
وأكمل حديثه متحسرا على وضع البلدة: “هذا يأتي في ظل هجمة استيطانية على الأرض الفلسطينية، هناك سياسات تقود إلى خسارة الفلسطيني المزارع، وهذه بداية الكارثة التي تترافق مع جهود استيطانية كبيرة وكبيرة جدا تجعل من الزراعة مربحة، ومجدية اقتصاديا أكثر مما نتخيل”.
تراب المصاري
وحسب رئيس مجلس قروي “بيت دقو” جمال داوود فإن مساحة القرية تبلغ 8500 دونم، تنتزع منها مستوطنة “غفعات زئيف” جزءاً كبيرا من أراضيها، كما يلتهم جدار الفصل العنصري جزءاً آخر لأغراض حفظ الأمن، حسب الادعاء الإسرائيلي.
ويؤكد أن الاهتمام الرسمي غائب تماما في مواجهة ما تعانيه البلدة، فلا يتلقى المزارعون أي اهتمام على أرض الواقع.
ويضيف: “لقد أصبح محصول العنب عبئا على المزارعين، فعندما يفلحون أراضيهم طوال العام ويتعبون عليها يكون لدى المزارع الأمل في لحظة الحصاد، لكن عندما يكون السعر “بتراب المصاري” ولا يكفي للتكاليف التي أنفقت عليها فإننا أمام كارثة حقيقية”.
ويشدد على أن المميز في القرية أن كثيرا من العائلات تعتاش حرفيا من محصول العنب، فهو مصدر دخلها، فهذا “موسم” يعتمد عليه المزارعون في البناء وتزويج أبنائهم والقيام بمشاريعهم المختلفة.
ويتابع داوود: “في ضوء التحول الأخير والانهيار بالأسعار فإننا أمام حالة إحباط لا مثيل لها وقتل لأحلام المزارعين”.
ويمكن لزائر القرية الصغيرة والجميلة أن يشاهد علو كروم العنب فيها التي تتوزع على شكل مصاطب مختلفة الارتفاع، في منظر خلاب، لكن أعماق الفلاحين في “بيت دقو” تحمل حسرة وإحباطا سيراه الزائر في وجوههم، إنهم جزء من قرية تعيش اليوم لحظات عميقة من خسارة مجد زراعي ارتبط بمحصول العنب، فيما الصورة الأكمل تقول إن تحولات اقتصادية وسياسية سببها الاحتلال الإسرائيلي الذي سرق زراعة العنب وطورها وفرضها على أسواق الفلسطينيين، بينما ترتب على غياب أي سياسات حمائية للمزارعين الفلسطينيين تعميق للمشكلة التي فيما لو استمرت فإن “بيت دقو”، قريبة المحراث والبندقية كما يحب الأهالي تسميتها، ستفقد عرش “بلدة العنب”.
"القدس العربي"





