
رام الله مكس
حذّر الإعلامي السعودي نايف العمري من تصاعد ظاهرة "الوهم المعرفي"، واصفًا إياها بأنها واحدة من أخطر التحديات الفكرية التي تواجه الإنسان في العصر الرقمي، في وقت أصبح الوصول إلى المعلومات أكثر سهولة من أي وقت مضى، بينما بات الوصول إلى الفهم الحقيقي أكثر تعقيدًا وصعوبة.
وأوضح العمري أن البشرية انتقلت من مرحلة كانت تعاني فيها من محدودية الوصول إلى المعرفة، إلى مرحلة جديدة تتسم بوفرة هائلة من المعلومات وتعدد مصادرها، الأمر الذي خلق لدى كثير من الأفراد شعورًا زائفًا بالإلمام والإحاطة بمختلف القضايا، رغم غياب الفهم العميق والقدرة على التحليل والاستنتاج.
وأشار إلى أن طبيعة المنصات الرقمية القائمة على السرعة والاختصار أسهمت في ترسيخ هذا النمط من "المعرفة السطحية"، حيث أصبح كثير من المستخدمين يكتفون بقراءة العناوين الجاذبة، ومشاهدة المقاطع القصيرة، وتصفح الملخصات السريعة، دون الرجوع إلى المصادر الأصلية أو التحقق من خلفيات المعلومات وسياقاتها المختلفة.
وأضاف العمري أن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها، موضحًا أن المنصات الرقمية تُعد من أعظم الأدوات التي أتاحتها الثورة التقنية لنشر المعرفة وتبادل الخبرات، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى بيئة خصبة لتعزيز "الوهم المعرفي" إذا غاب الوعي النقدي لدى المستخدم.
وبيّن أن الانتقال المستمر بين الأخبار والمقاطع والمنشورات خلال دقائق معدودة يمنح الإنسان إحساسًا مضللًا بأنه أصبح خبيرًا في مختلف المجالات، بينما يفتقد في الواقع إلى الترابط المعرفي الذي يساعده على تكوين رؤية متكاملة وفهم أعمق للقضايا التي يتابعها.
وأكد نايف العمري أن آثار هذه الظاهرة لا تقتصر على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، حيث تسهم في انتشار الشائعات والمعلومات غير الدقيقة، وتزيد من حدة الاستقطاب في النقاشات العامة، كما تدفع البعض إلى تبني مواقف وقرارات مبنية على معطيات ناقصة أو مصادر غير موثوقة.
وأشار إلى أن أخطر ما في "الوهم المعرفي" هو الثقة المفرطة التي قد يولدها لدى صاحبه، إذ يعتقد أنه يمتلك الإجابات الكاملة، ما يجعله أقل ميلًا إلى التعلم، وأكثر مقاومة لمراجعة أفكاره أو تقبل الآراء المختلفة، وهو ما يؤدي تدريجيًا إلى تراجع مهارات التفكير النقدي وإضعاف القدرة على التطور الفكري.
وفي هذا السياق، شدد العمري على أهمية إعادة الاعتبار للقراءة المتعمقة والتعلم المنهجي، داعيًا إلى تخصيص وقت للاطلاع الحقيقي والبحث الجاد بعيدًا عن الاستهلاك السريع للمحتوى، مؤكدًا أن بناء الوعي لا يتحقق عبر جمع أكبر قدر من المعلومات، وإنما من خلال فهمها وتحليلها وربطها بسياقاتها المختلفة.
كما دعا إلى تعزيز ثقافة التحقق من المصادر قبل نشر المعلومات أو تبنيها، وتنمية مهارات طرح الأسئلة والتمييز بين الحقائق والآراء، معتبرًا أن التربية الإعلامية أصبحت ضرورة ملحة في ظل البيئة الرقمية الحالية، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي نشأت في عصر التدفق المفتوح للمحتوى.
وأضاف أن المسؤولية في مواجهة هذه الظاهرة مشتركة بين المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية والمستخدمين أنفسهم، مشيرًا إلى أن بناء مجتمع أكثر وعيًا يتطلب نشر ثقافة التفكير النقدي وتشجيع الحوار القائم على المعرفة لا الانطباعات السريعة.
وأكد العمري أن الحل لا يتمثل في الابتعاد عن التكنولوجيا أو رفض أدوات العصر، بل في استخدامها بوعي واتزان، من خلال تحقيق التوازن بين سرعة الوصول إلى المعلومة وعمق استيعابها، والاستفادة من الإمكانات الهائلة التي توفرها التقنيات الحديثة دون الوقوع في فخ الاستهلاك العابر للمحتوى.
واختتم نايف العمري حديثه بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي في عصر المعلومات لم يعد يتمثل في الوصول إلى المعرفة، بل في القدرة على فهمها وتوظيفها بصورة صحيحة. وقال إن الإنسان المثقف بحق ليس من يدّعي الإحاطة بكل شيء، بل من يدرك حدود معرفته، ويواصل التعلم والبحث والتطوير الذاتي، مدفوعًا بالشغف الفكري والرغبة الصادقة في الوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن "وهم المعرفة".





