
رام الله مكس- تحت سماء الضفة الغربية، يعلو العلم الأمريكي فوق أحد المنازل الفلسطينية، بينما تُثبَّت الأسلاك الشائكة فوق جدرانه في محاولة لحمايته من هجمات المستوطنين. مشهد يلخص مفارقة يعيشها فلسطينيون يحملون الجنسية الأمريكية؛ جواز سفر يفترض أن يمنحهم حماية مواطني بلدهم، لكنه لا يمنع عنهم الاعتداءات والتهديدات ولا يحول دون محاصرة منازلهم.
وتناول الصحفي ستانيسلاس بواييه، المبعوث الخاص لصحيفة لوفيغارو الفرنسية إلى الضفة الغربية، هذه الوقائع في تقريرين ميدانيين منفصلين نشرتهما الصحيفة في 27 سبتمبر/أيلول 2026، بعد جولة شملت بلدات وقرى فلسطينية بينها قُصرة، وترمسعيا، ويتما.
ويركز التقرير الأول على فلسطينيين يحملون الجنسيتين الفلسطينية والأمريكية ويقولون إنهم يشعرون بتخلي واشنطن عنهم في مواجهة هجمات المستوطنين، بينما يتابع التقرير الثاني حياة عائلات فلسطينية تحصنت داخل منازلها تحت وطأة حصار واعتداءات متكررة.
ففي قُصرة، عاد الفلسطيني الأمريكي لؤي رِدي من ولاية أوهايو إلى منزله في الضفة الغربية بعد تعرضه لهجمات من مستوطنين، حاملا معه العلم الأمريكي، الذي قال إنه يمثل "السلاح الوحيد" الذي يملكه.

ومع استمرار التهديدات، بدأت العائلة في تحويل المنزل إلى ما يشبه حصنا، فركبت كاميرات للمراقبة، وألواحا للطاقة الشمسية، وأسلاكا شائكة فوق الجدران.
ويقول ردي، وفق التقرير، إن سكان المنطقة وجدوا أنفسهم مضطرين إلى بناء وسائل الحماية بأنفسهم، في ظل عدم شعورهم بوجود حماية كافية من السلطات، ويلخص حالهم بالقول: "نبني جدران سجننا بأنفسنا".
وبحسب رواية السكان التي نقلها التقرير، امتد الحصار على منازل عدة عائلات في المنطقة منذ أغسطس/آب، في حين تدخل الجيش الإسرائيلي وأقام مواقع عسكرية داخل بعض المنازل أو فرض قيودا على حركة السكان، في وقت استمرت فيه مخاوفهم من هجمات المستوطنين.
وفي تقريره الثاني، ينقل بواييه شهادات لفلسطينيين أمريكيين في ترمسعيا ويطما قالوا إنهم تعرضوا لاعتداءات وسلب خلال هجمات للمستوطنين. ومن بين هؤلاء صامد خضر، الذي يحمل الجنسية الأمريكية ويقيم في ولاية مسيسيبي، ويقول إنه تعرض وشقيقه للضرب على أيدي مجموعة من المستوطنين وفُقدت خلال الاعتداء جوازاتهما الأمريكية.
رئيس بلدية ترمسعيا: 80% من المدينة لم تعد متاحة للسكان، والهجمات تكاد تكون يومية، والمستوطنون يدمرون أشجار الزيتون، ويسرقون الماشية، أو يهددون السكان
ويصف الكاتب صامد لدى استقباله له قائلا: "عندما فتح صامد خضر باب منزله في يطما بالضفة الغربية، كانت كدمة لا تزال تغطي جزءا كبيرا من وجهه، فقبل أيام قليلة، في الرابع من سبتمبر/أيلول، تعرض صامد وشقيقه لكمين نصبه مستوطنون".
ويضيف أن طريق المغير يعرف بخطورته، إذ يلتف الأسفلت على طول سفح جرف صغير، مما يوفر للمهاجمين نقاط مراقبة متعددة.
ويتذكر صامد، وهو رجل أعمال يبلغ من العمر 56 عاما المشهد بقوله: "كان عددهم 20، مسلحين بالهراوات والحجارة والمسدسات".
وتحت أنظار الجيش الإسرائيلي اللامبالية -الذي كان حاضرا بقوة في أثناء الهجوم- تم جر صامد وشقيقه من سيارتهما، ويقول صامد: "ضربونا بـ3 عصي على ظهورنا، ظننت أنني سأموت من ضرباتهم".
ويشير التقرير إلى أن ترمسعيا، التي يعيش عدد كبير من سكانها بين الضفة الغربية والولايات المتحدة، تشهد تصاعدا في المخاوف من هجمات المستوطنين، في حين يقول رئيس بلديتها نواف زغلول -وهو نفسه أمريكي فلسطيني- إن الاعتداءات أصبحت شبه يومية، وإن أجزاء واسعة من المنطقة باتت صعبة الوصول أمام السكان.
ويقدم زغلول صورة قاتمة للوضع: "80% من المدينة لم تعد متاحة للسكان، الهجمات تكاد تكون يومية، والمستوطنون يدمرون أشجار الزيتون، ويسرقون الماشية، أو يهددون السكان".
ويؤكد رئيس البلدية أنه على اتصال دائم بالسفارة، "نقوم بإبلاغهم عن الحوادث، لكن الرد دائما هو نفسه: لا يمكنهم فعل أي شيء"، يقول زغلول بحسرة.
كما يتناول التقرير موقف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، الذي زار ترمسعيا ودان عنف المستوطنين في تصريحات له، لكنه في الوقت نفسه معروف بمواقفه المؤيدة للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، وينقل التقرير عن فلسطينيين أمريكيين شعورهم بأن جنسيتهم الأمريكية لم توفر لهم الحماية التي كانوا يتوقعونها.

زار سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، بلدة ترمسعيا، شمال شرق رام الله في الضفة الغربية، فلسطين، في الخامس من سبتمبر/أيلول 2026. وقد التقى هاكابي، المعروف بدعمه السياسي الثابت لإدارة تل أبيب والمستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية في جميع أنحاء الضفة الغربية، بالفلسطينيين الأمريكيين المقيمين في البلدة للاستماع مباشرة إلى رواياتهم عن التحديات والعنف الذي يواجهونه جراء هجمات المستوطنين الإسرائيليين التي تستهدف ممتلكاتهم وأراضيهم قبل أن يتحدث إلى وسائل الإعلام.
ويضيف أن هاكابي وصف المستوطنين خلال زيارته بـ"الإرهابيين"، بل قام بنفسه، ومن شرفة في المدينة، بتصوير غارة قام بها المستوطنون، ووعد حينها بعرض الصور على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيا. لكنه، وبعد بضعة أيام، في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، قال: "لم أنسب أبدا كل هذه الأعمال إلى المستوطنين".
ووفقا له، فإن 99.9% منهم "أشخاص مسؤولون".
وفي مقر بلدية ترمسعيا، أدى نشر هذه المقابلة إلى إحباط الآمال، "هذه الإدارة لن تفعل شيئا من أجلنا. أملنا الوحيد هو أن تحل إدارة جديدة محلها في الانتخابات المقبلة"، يقول رئيس البلدية.
وبينما يرفع بعضهم العلم الأمريكي على أسطح منازلهم أملا في جذب الانتباه إلى أوضاعهم، يلجأ آخرون إلى الكاميرات والجدران والأسلاك الشائكة لحماية عائلاتهم وممتلكاتهم. وهكذا، بحسب الصورة التي يرسمها تقريرا بواييه الميدانيان، يعيش فلسطينيون أمريكيون في الضفة الغربية بين هويتين: مواطنون أمريكيون يطالبون بحماية بلدهم، وفلسطينيون يواجهون على الأرض تهديدات وهجمات يقولون إنها أصبحت جزءا من حياتهم اليومية.





