الأربعاء:
2026-10-14

رام الله بعد الرابعة.. هل تحولت الحواجز العسكرية إلى إشارات مرور لخدمة المستوطنين؟

نشر بتاريخ: 14 أكتوبر، 2026
رام الله بعد الرابعة.. هل تحولت الحواجز العسكرية إلى إشارات مرور لخدمة المستوطنين؟

قيود تتصاعد مع ساعات الذروة، وطرق تُفتح وتُغلق بأوامر عسكرية، بينما تتكدس مئات المركبات الفلسطينية على مداخل المدينة. من يقرر إغلاقها، ومن المستفيد؟

رام الله مكس- في الرابعة عصراً، يغلق الجيش الإسرائيلي حاجز "بيت إيل" المعروف باسم "DCO" أمام حركة المركبات الفلسطينية في الاتجاهين.

وفي الوقت الذي يبدأ فيه آلاف المواطنين مغادرة رام الله والبيرة باتجاه منازلهم، تتحول الحواجز الشمالية والطرق المحيطة بالمدينة إلى نقاط اختناق مروري، حيث تتجمع السيارات لساعات، في مشهد بات يتكرر بصورة لافتة خلال الأسابيع الأخيرة.


ليست القضية مجرد حاجز أمني يتوقف عنده سائق للتفتيش، وإنما نمط متكرر من القيود يتزامن مع ساعات الحركة اليومية على الطرق التي يستخدمها الفلسطينيون والمستوطنون الإسرائيليون.

وهو نمط يطرح سؤالاً جدياً: هل تستخدم السلطات الإسرائيلية الحواجز لتنظيم حركة الفلسطينيين وفق اعتبارات أمنية فعلية، أم لتقليص وجودهم على الطرق المشتركة خلال ساعات تنقل المستوطنين؟


خلال رحلتين ميدانيتين إلى رام الله في الأسبوع الأخير، رصدت "معا" تشديداً واضحاً على حركة المركبات عند عدد من الحواجز، ترافق مع إجراءات بطيئة لا تظهر ضرورتها الأمنية بصورة واضحة.

وتؤكد تقارير منشورة منذ أيلول أن الظاهرة ليست حادثاً منفرداً، بل جزء من سلسلة إغلاقات وتشديدات متكررة على مداخل المدينة.


أربع بوابات تتحكم بحركة المدينة
تتوزع الحواجز الرئيسية المحيطة برام الله والبيرة على مسارات استراتيجية تربط المحافظة بشمال الضفة وشرقها وجنوبها.


جنوباً، تمر حركة الفلسطينيين عبر منطقة قلنديا والحاجز المعروف "بحاجز جبع" ومداخل شمال القدس، حيث تتداخل حركة المركبات الفلسطينية مع الطرق المؤدية إلى المستوطنات في شرقي القدس ومراكز التجمعات الإسرائيلية داخل الجدار.


أما شمالاً، فيبرز حاجز "بيت إيل" DCO، وحاجز عين سينيا المتصل بالطريق المؤدي إلى الجلزون وعيون الحرامية، ينفصل منه حاجز يبرود المتجه للشرق الى يبرود فالطيبة وحاجز عطارة الذي يربط بيرزيت بالطريق الشمالي، وصولاً إلى مناطق شمال غرب رام الله.


ويمثل كل حاجز من هذه الحواجز منفذاً حيوياً لآلاف المركبات. وعندما يُغلق أحدها، لا تختفي حركة المرور، وإنما تنتقل إلى المنافذ الأخرى، فتتضاعف الأزمة وتتسع الطوابير.


وتظهر خطورة هذا النظام حين يُغلق منفذ بينما تُشدد الإجراءات على منفذ آخر؛ إذ يصبح الوصول إلى رام الله أو الخروج منها مشروطاً بسلسلة من القرارات العسكرية المتغيرة.


حاجز DCO.. الساعة الرابعة قرار عسكري
تؤكد المعلومات التي جمعتها "معا" من مراسليها، ومن جهات الارتباط الفلسطيني المدني والعسكري، إضافة إلى تجارب ميدانية متكررة لمراسلي الشبكة، أن حاجز DCO يعمل حالياً من التاسعة صباحاً حتى الرابعة عصراً، ثم يُغلق أمام الفلسطينيين في الاتجاهين.


ويكتسب هذا التوقيت أهمية خاصة لأن الحاجز كان مفتوحاً على مدار الساعة قبل حرب تشرين الأول 2023، وفق توثيق منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية، قبل إغلاقه وإعادة فتحه بصورة جزئية عام 2026.


أي أن ساعات العبور الحالية ليست نتيجة محدودية الطريق أو طاقته الاستيعابية، وإنما نتيجة قرار تتحكم به سلطات الإحتلال.


ووفق المعلومات الميدانية، فقد شهدت هذه الطريق اعتراض مستوطنين لمركبات فلسطينية واعتداءات عليها عدة مرات وخصوصا فترات الليل فبدل فرض النظام على المعتدين أقدمت سلطات الاحتلال على اغلاقه الساعة الرابعة بوجه الضحايا.

خمس دقائق لسيارة واحدة.. كيف يُصنع الازدحام؟
عند بعض الحواجز التي رصدتها "معا"، لا تجري عملية المرور بطريقة سريعة ومتواصلة، بل ضمن سلسلة إجراءات متتابعة.


يتقدم السائق بمركبته، ويتوقف، ويطفئ المحرك، ثم يُطلب منه النزول والتوجه إلى أحد الجنود لتقديم هويته، قبل العودة إلى المركبة والتقدم نحو نقطة أخرى لتصويره أو استكمال التحقق من بياناته، ثم استعادة هويته والعودة مجدداً إلى السيارة وتشغيلها والانطلاق.


وقد تستغرق هذه العملية نحو خمس دقائق للسيارة الواحدة، بحسب الظروف والإجراءات المفروضة. ولفهم الأثر المروري، فإن مسار فحص واحداً يعمل بمعدل خمس دقائق للمركبة لا يستطيع نظرياً تمرير أكثر من 12-15 مركبة في الساعة.


هذا حساب توضيحي، وليس إحصاءً فعلياً لعدد المركبات التي مرت بحاجز محدد، لأن عدد مسارات الفحص وطريقة تشغيلها يختلفان من مكان إلى آخر، لكن الحساب يكشف كيف تستطيع إجراءات فردية تبدو بسيطة أن تؤدي إلى احتجاز مئات المركبات، حتى دون إصدار قرار رسمي بإغلاق الطريق. وهنا يبرز الفرق بين التفتيش الأمني الضروري وبين إبطاء المرور بصورة تؤدي عملياً إلى تعطيل الطريق.


أيلول.. الوقائع تتكرر
في 13 أيلول 2026، وثقت الوكالة الرسمية "وفا" تشديد الإجراءات العسكرية عند حاجزي عين سينيا وعطارة مساءً، وسط اختناقات مرورية وانتظار المواطنين داخل مركباتهم.


وفي 20 أيلول، أُغلقت مداخل متعددة شمال رام الله، بينها عطارة وعين سينيا وطرق تؤدي إلى النبي صالح وعابود وروابي ودير نظام، عقب حادث إطلاق نار قرب مستوطنة حلميش.


ثم شهدت المنطقة في 24 أيلول تشديداً واسعاً على عطارة وعين سينيا وطريق يبرود–سلواد، إضافة إلى جبع وقلنديا.


وفي 27 أيلول، تجددت الإغلاقات على عدد من المداخل، بينما أفادت "وفا" في 29 أيلول بأن مئات العائلات بقيت عالقة لساعات عند حاجز عطارة، بالتزامن مع إغلاق عين سينيا.


وتزامنت بعض الإغلاقات خلال هذه الفترة مع حوادث أمنية محددة، كما جاءت إغلاقات أخرى خلال الأعياد اليهودية، ومنها فترة عيد العرش التي امتدت فيها قيود معلنة بين 27 أيلول و3 تشرين الأول.


لكن هذه الوقائع لا تفسر وحدها سبب استمرار نمط التشديد المتكرر أو اختيار ساعات معينة لتعطيل المرور، خصوصاً عندما لا تكون هناك حادثة أمنية معلنة مرتبطة بكل إجراء.


هل تتحكم ساعات عمل المستوطنين بالحواجز؟
تقع الحواجز والطرق الالتفافية ضمن شبكة تخدم أيضاً مستوطنات إسرائيلية غير قانونية وبؤر استيطانية حديثة تحيط برام الله، ويتنقل المستوطنون عادة منها إلى القدس ومناطق داخل إسرائيل ومراكز عمل وتعليم وتسوق كونها مستوطنات او بؤر صغيرة تفتقد لخدمات عامة وهدفها فقط السيطرة على الأراضي في مناطق "C" المحيطة برام الله.


ولا تتوافر إحصاءات حديثة تفصل بصورة دقيقة أماكن عمل جميع المستوطنين في المستوطنات الصغيرة المحيطة برام الله، ولذلك لا يمكن الجزم بأن غالبيتهم يعملون داخل إسرائيل، أو أن هذه المستوطنات لا تمتلك نشاطاً اقتصادياً.


لكن الانتقال اليومي بين مكان السكن ومكان العمل ظاهرة واسعة في الاقتصاد الإسرائيلي، وتشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي إلى أن نحو نصف العاملين في بعض المناطق الإسرائيلية يعملون خارج منطقة سكنهم، مع تفاوت كبير بحسب المنطقة.


كما أن أسبوع العمل الإسرائيلي الاعتيادي يبلغ 42 ساعة، في حين تبدأ المدارس عادة قرابة الثامنة صباحاً وتنتهي في وقت أبكر من الخامسة، مع اختلاف ساعات الدوام بحسب المرحلة والمؤسسة.


وبالتالي، فإن ساعات الصباح والمساء تمثل أوقاتاً محتملة لارتفاع حركة المركبات المرتبطة بالعمل، وإن لم تكن مواعيد موحدة لجميع المستوطنين.


وقد ثبت أن التشديد على المركبات الفلسطينية يتركز في الفترات نفسها التي ترتفع فيها حركة المستوطنين على الطرق المشتركة، وذلك يقدم مؤشراً مهماً إلى أن هناك وظيفة مرورية للحواجز، تتجاوز التفتيش الأمني.


من صاحب القرار العسكري؟
لا تتبع الحواجز العسكرية المحيطة برام الله لضابط يقف عندها بصورة مستقلة عن سلسلة القيادة.

فوفق الهيكل التنظيمي المنشور للجيش الإسرائيلي، تخضع الضفة الغربية "لقيادة المنطقة الوسطى"، التي تتبع لها "فرقة الضفة الغربية"، ومنها لواء "بنيامين" الإقليمي المسؤول عن قطاع رام الله ومحيطه.


وتتولى هذه القيادة المسؤولية العسكرية عن الأمن والنظام العام (حسب وصفهم)، بينما تعمل "الإدارة المدنية" الإسرائيلية ومكاتب التنسيق والارتباط ضمن منظومة الإدارة العسكرية، مع تغييرات واسعة في توزيع الصلاحيات المدنية خلال السنوات الأخيرة.


وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في آب 2026 الموافقة على تعيين الجنرال دافيد "دادو" بار قائداً جديداً للمنطقة الوسطى، خلفاً للجنرال آفي بلوط. لكن لم ينشر موعد تسلمه الفعلي للمنصب.


أما "الإدارة المدنية" فقد كان يرأسها الضابط هشام إبراهيم وفق بيانات الجيش المنشورة خلال عام 2026.


وفي المستوى السياسي، يتمتع بتسلئيل سموتريتش بصلاحيات واسعة تتعلق بالشؤون المدنية في الضفة ضمن وزارة الجيش، بينما تقع الشرطة الإسرائيلية ضمن مسؤوليات وزارة الأمن القومي التي يتولاها إيتمار بن غفير.


لكن المسؤولية المباشرة عن إصدار أمر إغلاق حاجز أو تشديد التفتيش عليه يجب البحث عنها داخل سلسلة القيادة العسكرية المختصة، ولا يمكن نسبتها تلقائياً إلى الوزيرين رغم تصريحاتهم الدائمة ومواقفهم المعلنة للتضيق على الفلسطينيين بغض النظر لأسباب امنية او بدون اسباب.


925 عائقا للحركة.. ليست مشكلة رام الله وحدها
في نيسان 2026، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" توثيق 925 عائقاً للحركة في الضفة الغربية حتى نهاية عام 2025، تؤثر على حركة نحو 3.4 مليون فلسطيني.


وتمثل هذه العوائق زيادة بنسبة 43% مقارنة بالمتوسط السنوي خلال العشرين عاماً السابقة. وتشمل الحواجز الدائمة والجزئية والبوابات الحديدية والسواتر الترابية والمكعبات الإسمنتية.


ووثقت الأمم المتحدة نحو ألفي حادثة تقييد للحركة خلال عام 2025، بمتوسط يقارب 38 حادثة أسبوعياً.


هذه الأرقام تكشف أن القيود ليست ترتيبات مؤقتة استثنائية، وإنما شبكة واسعة تتحكم بصورة مستمرة في الوصول إلى مراكز العمل والتعليم والخدمات الصحية.


وللإجراءات نتائج اقتصادية مباشرة؛ فالتأخر عن العمل، وتعطل نقل البضائع، واضطرار السكان إلى قطع طرق بديلة، كلها تكاليف يتحملها المجتمع الفلسطيني دون أن يكون طرفاً في اتخاذ القرارات المسببة لها.


محكمة العدل الدولية.. الأمن لا يبرر التمييز
في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن القيود الإسرائيلية على حركة الفلسطينيين في الأرض المحتلة تشكل تمييزاً محظوراً بموجب القانون الدولي.


والأكثر ارتباطاً بالقضية أن المحكمة أوضحت، في الفقرة 205، أن حماية المستوطنين والمستوطنات، التي يُعد وجودها مخالفاً للقانون الدولي، لا يمكن الاستناد إليها لتبرير إجراءات تعامل الفلسطينيين بصورة تمييزية.


كما اعتبرت أن القيود المفروضة على الفلسطينيين لمجرد هويتهم الفلسطينية غير متناسبة ولا يمكن تبريرها بالأمن.


وهذا لا يلغي حق اتخاذ إجراءات أمنية محددة وضرورية لحماية الأرواح، لكنه يفرض اختباراً قانونياً واضحاً: هل الإجراء ضروري؟ وهل هو متناسب؟ وهل يطبق دون تمييز؟


فإذا كان تعطيل حركة مئات المركبات الفلسطينية يؤدي عملياً إلى توفير طريق أكثر انسياباً للمستوطنين، دون وجود ضرورة أمنية محددة ومثبتة، فإن الإجراء يثير شبهة التمييز المحظور بموجب المعايير التي حددتها المحكمة.


من يحمي الطريق.. ومن يتحكم بحق استخدامه؟
ما يحدث على مداخل رام الله لا يمكن اختزاله في الازدحام المروري. فالمسألة تتعلق بمن يملك قرار استخدام الطريق، ومن يُسمح له بالمرور، ومن يُجبر على الانتظار، وعلى أي أساس.


إن المعلومات الميدانية التي جمعتها "معا"، مقترنة بالتوثيق المتكرر لإغلاقات أيلول، تؤسس لاستنتاج بانه تُفرض قيود متكررة في ساعات تشهد حركة واسعة للسكان الفلسطينيين وهذا يتزامن بصلتها بحركة المستوطنين على الطرق نفسها؟
قد يستطيع الاحتلال تقديم تبرير أمني لبعض الإغلاقات، لكنه غير قادر على تفسير ضرورة القيود المتكررة وتناسبها وآثارها التمييزية.


فالحاجز ان لم يكن له وظيفة أمنية قابلة للفحص. فهو حاجز يُستخدم لفرض أفضلية دائمة في الحركة لطرف على حساب طرف آخر، إنه يتحول من وسيلة أمنية إلى أداة تمييز عنصري.


وفي رام الله، حيث يمكن إغلاق طريق كامل عند الرابعة عصراً بقرار عسكري، يصبح السؤال الأهم: هل تتحكم الضرورة الأمنية بحركة الفلسطينيين، أم تتحكم أولويات المستوطنات بوقت الفلسطينيين وحقهم في استخدام طرقهم؟