السبت:
2026-10-31

جدل إسرائيلي حول تنفيذ أحكام الإعدام.. من يتولى المهمة وما دوافع الدول لاستخدامها؟

نشر بتاريخ: 31 أكتوبر، 2026
جدل إسرائيلي حول تنفيذ أحكام الإعدام.. من يتولى المهمة وما دوافع الدول لاستخدامها؟

رام الله مكس- أعاد إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين إلى الواجهة نقاشا واسعا حول عقوبة الإعدام، ليس فقط من زاوية جدواها في الردع، بل أيضا بشأن الأساليب المستخدمة لتنفيذها، والجهات التي تتولى هذه المهمة، والدوافع السياسية والاجتماعية التي تقف وراء تمسك بعض الدول بها.

وسلط تقرير نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" الضوء على تاريخ تنفيذ أحكام الإعدام في العالم، والصعوبات التي تواجه الدول في تطبيقها، مستعرضا حوادث فشل خلالها تنفيذ الإعدام، وأثارت تساؤلات بشأن مدى إنسانية الأساليب المعتمدة، ومدى كفاءة الأشخاص المشاركين في هذه العمليات.

واستهل التقرير بعرض حادثة وقعت في 21 أيار/ مايو الماضي، داخل غرفة تنفيذ الإعدام في سجن ريفربند بولاية تينيسي الأمريكية، عندما كان السجين توني كروثرز، البالغ 57 عاما، مقيدا على نقالة، فيما حاول أفراد الطاقم العثور على وريد لحقن المادة القاتلة في جسده.

وبعد محاولات فاشلة لحقن المادة في ذراعيه وساقيه وكتفه، استُدعي الطبيب مارك فاولر لإدخال قسطرة في وريد مركزي. وارتدى الطبيب معطفا طبيا، وبدأ التعامل مع السجين كما لو كان مريضا، حتى إنه سأله عما إذا كان يعاني حساسية تجاه مادة التخدير الموضعي.

لكن المحاولة فشلت مجددا، فلجأ الطبيب إلى إجراء أكثر تدخلا، تمثل في محاولة إدخال قسطرة أسفل عظمة الترقوة. واستخدم مشرطا لتعقيم الجلد وبدء العملية، وسط أنين السجين من الألم ونزف الدم من موضع الوخز. وبعد 16 دقيقة إضافية، تخلى الطبيب عن المحاولة، وأُلغيت عملية الإعدام، وأعيد كروثرز إلى زنزانته حيا.

ووصفت محاميته حالته بعد لقائه مساء ذلك اليوم بأنه كان شاحبا ومتعرقا ومذعورا ويبكي ويعاني الألم.

ولم تكن الحادثة وحدها موضع الاهتمام، بل أثارت هوية الطبيب فاولر تساؤلات إضافية. فقد ظلت هويته سرية لسنوات بموجب قوانين تحمي العاملين في تنفيذ أحكام الإعدام، قبل أن يكشف مدير السجن اسمه عن طريق الخطأ في آب/أغسطس 2025.

وكشف تحقيق نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية في آب/ أغسطس الماضي أن فاولر لم يكن قد أجرى عملية إدخال قسطرة في وريد مركزي منذ 13 عاما، وأنه يتقاضى 3 آلاف دولار عن كل عملية إعدام. كما أظهر التحقيق أنه عمل قبل أن يصبح طبيبا محاميا للدفاع العام، وتولى تمثيل متهمين كانوا يواجهون عقوبة الإعدام، وتمكن من إنقاذ بعضهم منها.

وأثار التحقيق تساؤلات بشأن القوانين التي تتيح للعاملين في تنفيذ الإعدامات ممارسة مهامهم في ظل السرية، من دون أن يتمكن الجمهور من التحقق من مؤهلاتهم المهنية وكفاءتهم.

وبعد أقل من شهرين على نشر التحقيق، عاد فاولر للمشاركة في تنفيذ حكم إعدام داخل السجن نفسه، هذه المرة بحق كريستا بايك، البالغة 50 عاما، والمدانة بقتل شابة في مثل عمرها عندما كانت في الثامنة عشرة.

لكن العملية تعثرت مجددا، إذ واصلت بايك التنفس بعد حقنها بالمادة القاتلة، حتى بعد إعطائها جرعة إضافية. واضطر العاملون في السجن إلى استدعاء سيارة إسعاف لإنقاذ حياتها.

وعلى خلفية فشل محاولتي الإعدام، وما أثارتاه من اهتمام إعلامي، أمر حاكم ولاية تينيسي بيل لي بوقف عمليات الإعدام المقررة في الولاية إلى حين انتهاء التحقيق في الأمر.

الإعدام أمام الجمهور

وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات في تينيسي تحاول فهم أسباب فشل تنفيذ الإعدام، دار في البيت الأبيض نقاش مختلف بشأن إمكانية السماح للجمهور بمشاهدة عمليات الإعدام مباشرة عبر الإنترنت.

ففي مطلع تشرين الأول/أكتوبر، أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أن إعدام نضال حسن، الطبيب النفسي العسكري السابق الذي قتل 13 شخصا في قاعدة فورت هود بولاية تكساس عام 2009، سيُبث عبر الإنترنت.

وأثار الإعلان جدلا واسعا، حتى داخل الأوساط الجمهورية، بسبب تحويل تنفيذ حكم الإعدام إلى عرض عام. وأبدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البداية تأييده للفكرة، لكنه أعلن في 15 تشرين الأول/أكتوبر إلغاء البث.

وقال ترامب عبر منصته "تروث سوشيال" إنه اعتقد أن بث الإعدام أمام الجميع كان يمكن أن يشكل رادعا قويا، لكنه أشار إلى أن كثيرا من الأشخاص الطيبين يفضلون عدم مشاهدة ذلك. وأوضح لاحقا أن حسن سينفذ فيه حكم الإعدام كما هو مقرر، رميا بالرصاص، لكن من دون بث العملية.

وأعاد هذا الجدل طرح سؤال بشأن ما إذا كانت الولايات المتحدة، التي تنفذ أحكام الإعدام خلف أبواب مغلقة، بدأت تستعيد الاهتمام بتحويل الموت إلى مشهد جماهيري، كما كان الحال في قرون سابقة.

كما امتد النقاش إلى إسرائيل، في أعقاب إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في آذار/مارس الماضي، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت العقوبة أداة فعالة للردع، أم أن الاستعداد لاستخدامها يعكس تحولا في المجتمع الإسرائيلي.

من ساحات أوروبا إلى الكرسي الكهربائي

وقال المحاضر في التاريخ ومؤلف كتاب "القتل بلا رحمة: تاريخ عمليات الإعدام"، كوبي حوبرا، إن قرار ترامب التفكير في تنفيذ إعدام علني ليس مفاجئا، معتبرا أن الرئيس الأمريكي ينظر إلى الأمور باعتبارها مشهدا استعراضيا.

وأضاف أن هذا التوجه لا يعكس شخصية الرئيس وحده، بل يكشف أيضا عن تحولات في المجتمع، مشيرا إلى أن أفلام الحركة والرعب الحديثة لم تعد تقدم للجمهور مستوى الإثارة الذي كانت توفره سابقا، في ظل إدراك المشاهدين أن كثيرا من المشاهد باتت تعتمد على المؤثرات الرقمية.

وأوضح أن عمليات الإعدام لم تكن على مدى قرون أحداثا تسعى الدول إلى إخفائها، بل كانت الجماهير تتجمع في ساحات المدن الأوروبية لمشاهدة الشنق وقطع الرؤوس، وأحيانا أساليب قتل أكثر قسوة.

ولفت إلى أن الإعدام العلني كان يمثل استعراضا لقوة السلطة، ووسيلة تهدف إلى ردع المجرمين المحتملين، إذ كان المواطنون يرون أن العدالة تتحقق، فيما يدرك المجرمون أن الإفلات من العقاب غير ممكن.

وأشار إلى أن بعض الأنظمة كانت تستخدم عمليات الإعدام لإظهار قوتها، موضحا أنها كانت موجهة دائما للاستهلاك الداخلي.

وبحسب حوبرا، بدأ التحول في النظرة إلى الإعدام مع صعود الفكر الإنساني، وظهور أفكار الفيلسوف إيمانويل كانط بشأن التعامل مع الإنسان باعتباره غاية وليس وسيلة، ما دفع إلى البحث عن أساليب تقلل معاناة المحكوم عليهم قدر الإمكان.

وقال إن هذا التحول بدأ في أواخر القرن الثامن عشر، مع الانتقال إلى المقصلة التي اعتُبرت وسيلة أسرع نسبيا للموت، واستبدال بعض أساليب التعذيب وقطع الأطراف بقطع الرأس بالسيف أو الفأس في ألمانيا، فيما بدأت الولايات المتحدة البحث عن بديل لعقوبة الشنق.

وكان من بين الحلول التي ظهرت الكرسي الكهربائي، الذي اقترحه طبيب الأسنان ألفريد ساوثويك، بعدما سمع عن وفاة رجل مخمور نتيجة تعرضه لصعقة كهربائية. واقترح استخدام الكهرباء لتنفيذ أحكام الإعدام، واختير الكرسي بدلا من السرير لأن ساوثويك كان معتادا على جلوس مرضاه أثناء علاجهم.

الحقنة القاتلة ليست حلا مضمونا

ودخل الكرسي الكهربائي الخدمة في الولايات المتحدة عام 1890، لكنه لم يضمن تنفيذ الإعدام بسرعة أو من دون معاناة. فقد تعثرت أول عملية إعدام باستخدامه، واضطر العاملون إلى توجيه صعقتين كهربائيتين لقتل المحكوم عليه ويليام كيمبلر، المدان بقتل زوجته بفأس.

وسجلت عمليات أخرى احتراق أجساد المحكوم عليهم، وتصاعد الدخان من رؤوسهم، وتكرار محاولات تشغيل التيار الكهربائي.

وقال حوبرا إن الأمريكيين اعتقدوا في البداية أن الكرسي الكهربائي سيضع حدا للمشكلة، لكن التجربة أثبتت عكس ذلك. وبعدها طُرحت فكرة استخدام الغاز، إلا أن هذه الطريقة شكلت خطرا على منفذي الإعدام، كما تضررت صورتها بعد الحرب العالمية الثانية، ما دفع إلى اعتماد الحقن القاتلة.

لكن الحقن القاتلة، التي تبدو أقرب إلى إجراء طبي اعتيادي، واجهت بدورها مشكلات، إذ ترفض شركات الأدوية توفير المواد المستخدمة في تنفيذ الإعدام، كما تعارض النقابات الطبية مشاركة الأطباء والممرضين في هذه العمليات، استنادا إلى قسم أبقراط الذي يدعو إلى عدم الإضرار بالإنسان.

ونتيجة لذلك، تضطر الولايات إلى البحث عن موردين بديلين لتلك المواد.

وفي السنوات الأخيرة، أضافت الولايات المتحدة وسيلة أخرى إلى أساليب تنفيذ الإعدام، تتمثل في الاختناق بغاز النيتروجين، حيث يتنفس المحكوم عليه غازا نقيا عبر قناع، إلى أن ينخفض مستوى الأكسجين في جسمه ويفارق الحياة.

وروج مؤيدو هذه الطريقة لها باعتبارها أسرع وأكثر إنسانية من الحقن القاتلة، إلا أن شهودا على عمليات تنفيذها وصفوا إجراءات استمرت دقائق طويلة ومؤلمة.

واعتبر حوبرا أن أساليب الإعدام التي تبدو "نظيفة" إلى هذا الحد لا تشبه العقوبة بقدر ما تشبه التخلص النهائي من الإنسان، متسائلا عما إذا كان من العدل أن يذهب شخص ارتكب جريمة اغتصاب وقتل طفل إلى النوم ببساطة، وما إذا كان ذلك يمثل انتقاما أو عقوبة حقيقية.

عقوبة الإعدام في إسرائيل

وقال حوبرا إن النقاش بشأن عقوبة الإعدام في إسرائيل مرشح للتصاعد مع اقتراب محاكمات المشاركين في هجوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، المعروفين باسم "قوة النخبة" التابعة لحماس.

وردا على سؤال بشأن احتمال مطالبة السلطات بتجنيد أشخاص لتنفيذ أحكام الإعدام، قال إن شعوره هو أنه "إذا فُتح باب التقدم لهذه المهمة، فلن يكون هناك نقص في المتطوعين".

وينص قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، الذي دخل حيز التنفيذ، على تنفيذ حكم الإعدام شنقا خلال 90 يوما من اكتساب الحكم الصفة القطعية.

وأبدى حوبرا تحفظه على هذا التوجه، قائلا إن ما يميز الإعدام عن أشكال القتل العنيف الأخرى هو أنه يتم بهدوء وبعد دراسة وموازنة، وفق موعد محدد وإجراءات منظمة.

وأضاف أن عمليات القتل الأخرى تحدث في أجواء من الانفعال، سواء خلال الحروب أو السطو أو نتيجة مشاعر عاطفية، بينما يفترض أن يكون تنفيذ حكم الإعدام قرارا بالغ الخطورة، يتطلب التفكير فيه بعناية، وأن يتم في ظل هدوء نفسي وانضباط، معربا عن شكوكه في أن المجتمع الإسرائيلي وصل إلى هذه المرحلة من الهدوء.

وعندما سئل عما إذا كانت هناك ظروف تبرر إعدام الدولة لإنسان، قال إنه يركز في أبحاثه على تاريخ عمليات الإعدام وليس على مسألة تبرير عقوبة الموت، معتبرا أن هذا السؤال أخلاقي وشخصي، ويتعين على كل فرد أن يحدد موقفه منه.

وفي رده على سؤال بشأن ما إذا كان ينبغي لإسرائيل الانضمام إلى الدول التي تنفذ أحكام الإعدام، قال إنه باستثناء الولايات المتحدة، تتركز هذه الممارسة أساسا في الدول التي تعاني ضعفا ديمقراطيا أو مستويات مرتفعة من القمع المدني.

وأضاف أن عقوبة الإعدام موجودة في القانون العسكري الإسرائيلي منذ وقت طويل، وأن التعديلات الأخيرة تهدف إلى زيادة فرص استخدامها.

وأشار إلى أن المرة الوحيدة التي نُفذ فيها حكم إعدام بموجب القانون العسكري الإسرائيلي كانت في قضية مئير توبيانسكي، الذي أُعدم ظلما بعد محاكمة شابتها عيوب جسيمة، واضطر رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك دافيد بن غوريون إلى الاعتذار لأرملته وابنه.

هل تحقق عقوبة الإعدام الردع؟

وردا على سؤال بشأن ما إذا كانت عقوبة الإعدام تعزز الردع، قال حوبرا إنها لا تردع الجرائم الخطيرة، وإن قيمتها تكمن أساسا في إشباع حاجة معنوية لدى المواطنين الملتزمين بالقانون داخل الدولة.

وأضاف أن هناك وسائل أخرى يمكن اللجوء إليها لتعزيز شعور المواطنين بالأمن وترسيخ هيبة القانون والسلطة، داعيا إلى تجربتها بدلا من الاعتماد على تنفيذ أحكام الإعدام.