الجمعة:
2026-09-04

السلطة الفلسطينية و السناريو الاسود

نشر بتاريخ: 06 ديسمبر، 2015
السلطة الفلسطينية و السناريو الاسود

السلطة الفلسطينية و السناريو الاسودبقلم/ عبد السلام ابوندى

ناقشت الحكومة الإسرائيلية، في اجتماع مغلق،دعا إليه رئيسها بنيامين نتنياهو، احتمال انهيارالسلطة الفلسطينية، جرى هذا في ضوء تفسخ الحركة الوطنية الفسطينية  كنتيجة للاتيان بحركة حماس كجزء من حركة الاخوان المسلمين، للمساعدة في تحقيق الانهيار المطلوب للسلطة وما جرى في غزة 2007 كان بمثابة المرحلة الاولى من عملية التنفيذ، فنظرية تقاطع المصالح في خطاب الفاشيات الدينية خير وسيلة للقيام بالمهمة، طالما تقوم على مبدأ عدم القبول باالاخر وان الصراع لن يحسم إلّا قرب اقتراب الساعة! و ان حسمه لن يكون الّا قبل يوم القيامة، اضافة الى انشغال العرب والدول  العربية بما يجري في سوريا والعراق وليبيا واليمن وانشغال العالم بـالصنيعة «داعش» والإرهاب، كل ذلك هو بمثابة البيئة الموضوعية التي طالما شاركت السياسة الاسرائيلية منذ سنوات طوال للوصول اليها وها هي تنجح.

كثيرون هم المحللون السياسيون الذين يراهنون على ان هناك اكثرية في الحكومة الاسرائيلية الذين لا يريدون انهيار السلطة الفلسطينية،الشيء الذي لا يعكس حقيقة الواقع وذلك لقناعتهم بمبررات سطحية، كخوف اسرائيل من سيطرة حماس او داعش او اعداء اسرائيل على الضفة ! ودون ان يأخذوا بعين الاعتبار ان نتنياهو قد وعد بان يكون التلمود هو القانون الاسرائيلي ! و مرر هذا الوعد دون ان يأخذه المحللون و السياسيون و حتى الاعلاميون الفلسطينيون والعرب بعين الاعتبار وهذا ما ذكره الصحفي اري ياشار (Ari Yashar) في مقالته المنشورة بتاريخ 5/9/2014 ،هذا الوعد الذي قطعه على نفسه نتنياهو في مؤتمر لليكود حين اكد على يهودية الدولة، و دون الاخذ بعين الاعتبار ايضا مدى استمرار المؤسسة الاسرائيلية و الصهيونية بالسيطرة على اراضي الضفة الغربية و الاستمرار بما يزيد بالاخلال بالطبيعة الديموغرافية لتصبح في صالح اسرائيل، عبر استمرار الاستيطان، هذا اضافة الى تغييب اسرائيل لمخرجات اوسلوا، كتصنيف الاراضي الفلسطينية، هذا التصنيف الذي لم يعد ليعني اسرائيل او يلزمها بشيء، و ان الاعتراف الدولي بفلسطين كدولة لن يؤثر في هذه الاستراتيجية الصهيونية السائرة على قدم وساق لجعل الضفة الغربية بكاملها اراض اسرائيلية جزء لا يتجزأ من الدولة اليهودية التلمودية.

من المعروف ان بعضا من دوافع اسرائيل للقبول بانشاء السلطة الفلسطينية وفقا لاوسلو لم يكن سوى التخلص من اعباء تكاليف احتلالها للضفة الغربية وغزة حتى أجل، وها هي تخلصت من غزة عبر انسحاب من طرف واحد قامت به، و من المفارقات الغريبة ان بعضا من الساسة الفلسطينيين اعتبر ذلك بمثابة  نصر تم تحقيقه بارادة فلسطينية، دون ان يدرك هذا البعض و غيرهم بان ذلك هو حقيقة ما تذهب اليه اسرائيل، وخططت له عبر استراتجية وضعت منذ زمن طويل لحكوماتها المتعاقبة، وهذا ما ادركه (أبو مازن)،الذي كان قد لوَّح بالتنحي وبالاستقالة وبعد الترشُّح مرة أخرى في حال إجراء انتخابات جديدة، قد استمر بوصف واقع الحال في الضفة الغربية بأنه احتلال غير مكلفٍ للدولة المحتلة، وأنه على إسرائيل التي تضع العصي في دواليب عملية السلام وتعطلها، بل وترفضها، دون أنْ تتحمل تكلفة احتلالها الأراضي الفلسطينية أمنيًا واقتصاديًا طالما بقيت الأمور تدور في هذه الحلقة المفرغة، اضافة الى ما قدمه الرئيس الامريكي اوباما كخدمة اكبر لاسرائيل، لم يكن ليجرؤ اي من سابقيه فعل ذلك، و هو الاعتراف بيهودية الدولة وعدم التزامه بوعوده تجاه الشعب الفلسطيني كعادة الادارات الامريكية السابقة و اعتقد بانها ستبقى عادة للادارات اللاحقة حتى يقوم الزمن بمهمته لمساعدة اسرائيل بتحقيق تلمودية الدولة اليهودية، الشيء الذي بحقق ضم الضفة بمن بقي عليها من سكانها للدولة اليهودية.

ان ما يجري الان في الضفة الغربية ما هو الّا سيناريو قد تم تمرير شبيه له عام 1947 وعام 1948، فالظروف متشابهة الى حد التطابق، مستوطنون يحيطون و يحاصرون كل القرى والمدن الفلسطينية يعبثون ويحرقون ويدمرون، وجيش احتلالي يقوم بالمساعدة و تقديم الدعم للمستوطنين والمستوطنات، وهو بذلك يقوم مقام الهاغاناة و البالماخ والارغون وباقي المنظمات المسلحة التي قامت بالتعاون مع المستوطنين لارتكاب مذابح في مناطق فلسطينية متعددة،لتكون دافعا يجبر الفلسطينيين على الهرب بارواحهم و الهجرة الى اراض دول عربية اخرى لتفريغ الاراضي الفلسطينية من اصحابها، وهذه الدلائل تؤكد بان القادم ما هو الّا سيناريو اسود بانتظار البدء باستكمال تنفيذ مرحلته الثانية، فالضفة بظروفها الحالية جاهزة لتنفيذ المذابح في عدد من القرى الفلسطينية على ايدي ما ستسميهم اسرائيل بالمتطرفين الغاضبين الذين لا تستطع السيطرة عليهم او على افعالهم، و لكن ما يحول دون ذلك حتى الان هو وجود السلطة الفلسطينية، والبدء بتنفيذه ينتظر فقط  البدء بعملية انهاء السلطة الفلسطينية والخلاص منها باي طريقة وأي شكل من الاشكال، و هي الخطة التي  بدأت تطبخ في غرف السياسة الاسرائيلية و هي على وشك الحدوث وتقترب من التحقيق،  ولكن ما يحول دون ذلك حتى الان هو فقط الوجود الجسدي للرئيس ابو مازن حيث ان وجوده السياسي تم اغتياله مع نهاية اخر مقابلة له لصاحبة نظرية الفوضى الخلاقة كونداليزا رايسعام 2007، و عندما تم زرع بذور الفتنة بين ابو مازن و حليفه القوي في الحركة الوطنية محمد دحلان، دون ان يدرك اي منهما  بان اختلافهما في هذه المرحلة لا يخدم الّا مصلحة اسرائيلية محضةودون ان يدرك اي منهما ايضا بان ما ذهبت اليه اسرائيل ومارسته دائما هو عكس ما تقوم بالاعلان عنه، وهي سمة تمارسها ومارستها طوال فترة الصراع، وبذلك ستقوم اسرائيل بالمراهنة على الزمن فيما يخص بقاء ابومازن حيا ام لا، ولكنها قد تتدخل و تمارس ما مارسته مع الزعيم ابو عمار، وهذا سيكون منوطا بمدى اقتراب ابو مازن من محمد دحلان لان هذا الاقتراب سيكون العنصر الوحيد و الذي قد يقف عائقا امام تنفيذ هذا السيناريو الاسود، السيناريو الذي سيبدأ بارتكاب المستوطنين لعدد من المذابح والمجازر الجماعية و التي قد تمارس في محيط الخليل وقراها ونابلس ومحيطها ومنطقة اريحا والاغوار، بما يجبر بعضا من الفلسطينيين على اخلاء قراهم و التوجه باتجاه الاردن في هجرة جديدة، لن تستطع الاردن ان تقف في وجهها لدواع انسانية، كما ستفتح اسرائيل المجال للفوضى التي ستقودها اجنحة مسلحة للاسلام السياسي و مليشيات المستوطنين، الشيء الذي سيعطي اسرائيل فرصة فرض قانونها على كل اراض الضفة بحجة ضبط الامن، و من ثم تسليم البلديات في المدن الفلسطينية لاتحاد بلديات يقوم و يحل محل السلطة، لتنفيذ سيناريو دودين وروابط القرى القديم الجديد، و بهذا سيتم تحقيق الدولة الفلسطينية التي انجزها ابو مازن في هيئة الامم المتحدة مقتصرا على امارة او دويلة قطاع غزة فقط، و ستجد اسرائيل من ينفذ ذلك بكل سهولة وهو شريك غير مباشر في هذا السيناريو، وهذا ما تثبته بنود التفاهمات الحمسوية الاسرائيلية برعاية تركيا و قطر وسويسرا، وبعدها سيحين وقت تنفيذ المرحلة الثالثة من السيناريو و هيانهاء حق العودة، عبر السماح لما لا يقل عن مليون لاجىء بمغادرة قطاع غزة عبر ميناء ستمنحه اسرائيل لحماس هدفه الاساس خروج هذا العدد الى تركيا و من ثم الى اوروبا ..!؟ و الجائزة بعد ذلك انضمام تركيا للاتحاد الاوربي.

من لا يقرأ الاحداث و الوقائع السابقة  والجارية واللاحقة في تاريخ السياسة الاسرائيلية والادارات الامريكية المتلاحقة و ما يجري في الشرق الاوسط لا سيما انهاء الجيوش العربية او تحييدها لاي سبب ، لا يستطيع ان يقرأ سيناريو انهاء السلطة الفلسطينية و الذي نرى انه اصبح الان من اولويات اسرائيل و انه على اعلى سلم اولويات السياسة الاسرائيلية و سيندهش من يراهن على الارادة الدولية او اي ادارة امريكية قادمة لا سيما ان مبدأ تبادل الاراضي بين المفاوض الفلسطيني و المفاوض الاسرائيلي اصبح مبدأ مقبولا وستزيد مساحة غزة على حساب اراض من النقب مقابل ما كان اسمه الضفة الفلسطينية، فالاسم الجديد تم ترسيخه عبر الاعلام الاسرائيلي كمنطقة اسمها يهودا والسامرة.

انه سيناريو ابيض بلون الفحم الحالك السواد، الشيء الذي يجب ان يعيد القيادة السياسية الفلسطينية الى رشدها في طريقة التفكير،والبحث عن وسائل لمواجهته، اما الجلوس بعيدا مكتوفة الايدي و الانتظار و المساعدة الّلا مباشرةعلى توفير البيئة لتنفيذه، دون ادراك لما يجري،ما هو الّا عجزا سياسيا فلسطينيا و سلبية ستذهب بالنضال الوطني الفلسطيني و تاريخه ادراج الرياح، و قد تكون الطريقة الوحيدة للمواجهة و الاستدراك لا تتمثل الّا بان تأخذ الحركة الوطنية الفلسطينية بزمام المبادرة و اعادة لحمتها واعتماد خطاب وطني سياسي جديد يميزها عن فاقديه، و اعادة الاعتبار لحل الدولة ثنائية القومية، علما ان لا ثابت سوى التغير.