الإثنين:
2026-09-14

"الإتاوات" شبكات تعتاش على معاناة العمال عبر فتحات الجدار

نشر بتاريخ: 28 ديسمبر، 2020
"الإتاوات" شبكات تعتاش على معاناة العمال عبر فتحات الجدار

رام الله مكس-كتب محمد بلاص : لم يكن العامل (س.ع) يتوقع أن يكون هدفا لإطلاق النار من قبل مسلحين تمركزوا على مقربة من أحد مقاطع جدار الفصل العنصري، عندما رفض دفع مبلغ من المال عبارة عن "الإتاوة" حتى يتمكن من عبور إحدى الفتحات المقامة على أحد مقاطع الجدار في طريقه إلى مكان عمله داخل الخط الأخضر.
في ساعات الصباح الباكر، وصل ذلك العامل إلى منطقة قريبة من الفتحة المقامة على الجدار، ولكنه فوجئ بعدد من المسلحين يطلبون منه دفع مبلغ مالي معين حتى يتمكن من عبور الفتحة، وعندما رفض أطلقوا النار عليه فأصابوه بعيار ناري في ساقه، في حادثة تتكرر يوميا وراح ضحيتها عدد كبير من العمال، البعض لا يمتلك أي مبلغ من المال لدفع "الإتاوة" والآخر يرفض الدفع من حيث المبدأ.
يقول أحد العمال، إنه يتوجه إلى مكان عمله في الداخل المحتل من خلال فتحة جدار الفصل العنصري في إحدى القرى الحدودية المحاذية للخط الأخضر، سعيا منه للحصول على رزق عائلته، لكنه يتفاجأ بمجموعة من الأشخاص يفرضون سطوتهم على المكان.
وفي كل مرة، يقول ذلك العامل الذي فضل عدم ذكر اسمه، يدفع مبلغا من المال لهؤلاء الأشخاص الذين غالبا ما يكونون مسلحين، ولا يوجد مفر أمامه في الانصياع لأوامر بدفع "الإتاوة" من أجل السماح له بالمرور من تلك الفتحة العشوائية التي أحدثها مواطنون في الجدار من أجل الدخول إلى داخل الخط الأخضر، مشيرا إلى أن هؤلاء الأشخاص يمارسون الابتزاز بالقوة للعمال المغلوبين على أمرهم.
وعبر هذا العامل، عن امتعاضه والعمال الذين يمرون من خلال تلك الفتحة من وجود هؤلاء الأشخاص الذين يفرضون "الإتاوة" عليهم بالقوة، على قاعدة "إما أن تدفع وتمر وإلا فعد من حيث أتيت"، وهو أمر مستهجن ويندرج في إطار سلوك العصابات المسلحة والمجموعات المنفلتة الخارجة على القانون.
واستهجن استمرار هذه المجموعات بالعمل بشكل علني وبكل جرأة دون أن يحرك أحد ساكنا تجاههم أو يردعهم ليخفف من حلقات الابتزاز التي يتعرض لها العمال في مسيرة دخولهم إلى الخط الأخضر، وكأنه ينقصهم مزيد من المعاناة.
وتساءل مراقبون، عن تنامي تلك الظاهرة التي غالبا ما يكون العمال ضحية لها، حيث لا توجد طريقة تمكنهم من الوصول إلى داخل الخط الأخضر بحثا عن مصدر رزق لهم، سوى فتحات مقامة على مقاطع الجدار مقابل مبالغ مالية لا تعدو عن كونها "الإتاوة"، ومن لا يدفع يمنع من الدخول للبحث عن عمل، وهناك حديث عن إطلاق نار باتجاه عمال رفضوا الانصياع للتعليمات.
ووصف عضو الأمانة العامة لاتحاد عمال فلسطين رياض كميل، هذه الظاهرة بأنها خطيرة تستوجب التحرك وعدم السكوت عليها، لأنها استغلال لحاجة العمال الذين لا يكفيهم ما يصيبهم من معاناة واعتداءات ومخاطر من الاحتلال.
وعد ذلك من الأفعال المشينة، منبها إلى أن ملف العمال في الداخل يحمل انتهاكات جسيمة في الحقوق كاملة، فالعامل لا يعمل في ظروف السلامة المطلوبة، ويتعرض للنصب والاحتيال، ويتم القفز على حقوقه، ولا يتمتع بالضمان والأمان الاجتماعي والصحي، ويضاف إلى ذلك هذه الممارسات.
وقال عامل آخر، إن "تلك شبكات تعتاش على معاناة العمال وحاجتهم، فالدخول والخروج محكوم بهذه الشبكات التي تجني أرباحا طائلة، ولا يلاحقها أي طرف، وتضمن أشخاصا يسيطرون على فتحات وسائقين ومجموعات متعددة مرتبطة ببعضها، وأحيانا يتحول الأمر إلى مناطق نفوذ بينها، وأخرى مرتبطة ببيع التصاريح للعمال بمبالغ طائلة في حين العامل هو الزبون المفضل".
ومضى: "على الرغم من أن الفتحات العشوائية باتت تشكل المتنفس الوحيد للدخول والخروج إلى داخل الخط الاخضر في إطار جائحة كورونا، فإن المطلوب مجتمعيا ألا تتحول إلى أماكن لابتزاز العمال في قوت عيالهم".
وأكد أن هؤلاء الأشخاص الذين غالبا ما يكونون مسلحين ببنادق وأسلحة نارية آلية، يتواجدون في عشرات المواقع على امتداد جدار الفصل العنصري وتحديدا حيث توجد الفتحات، ولا يتورعون عن الاعتداء على أي عامل يرفض دفع "الاتاوة" لهم، فيما يمتلك بعض هؤلاء مفاتيح البوابات المقامة على بعض مقاطع الجدار والتي رسميا تخضع لسيطرة جيش الاحتلال، فيقدمون على فتحها في بعض الحالات من أجل تهريب مواش ومركبات وبضائع.
يذكر أنه ومع إغلاق المعابر في إطار جائحة كورونا فإن عشرات آلاف العمال والتجار من الضفة يجدون متنفسهم من خلال الفتحات العشوائية التي استحدثوها في جدار الفصل العنصري من أجل الوصول الى داخل الخط الاخضر حيث باتت توجد عشرات الفتحات العشوائية على طول الجدار من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها.
ويضطر آلاف العمال لاجتياز جدار الفصل العنصري أو الأسلاك الشائكة التي أقامتها إسرائيل على الحدود الفاصلة بين الداخل والضفة الغربية، من أجل الوصول إلى أماكن عملهم في الداخل، حيث ينامون في أماكن عملهم أحيانا ولا يعودون إلى قراهم إلا بعد شهر أو أكثر.
ولا يجد الآلاف من هؤلاء العمال طريقا أخرى تمكنهم من الوصول إلى أماكن عملهم في الداخل، غير الفتحات المقامة على الجدار، خصوصا وأن معظمهم لا يتمكنون من الحصول على تصاريح عمل من قبل الجهات الإسرائيلية المختصة لأسباب أمنية تدعيها سلطات الاحتلال.
وقال أحد العمال، "في كل يوم نترك منازلنا وعائلاتنا وأطفالنا ونخاطر بحياتنا متجاوزين جدار الفصل العنصري للوصول إلى الداخل، من أجل البحث عن فرصة للعمل وكسب حفنة من النقود لإرسالها إلى عائلاتنا".
وبحسب اتحاد نقابات عمال فلسطين، فإن تعداد العمال الفلسطينيين ممن يسمح لهم بدخول إسرائيل للعمل بتصاريح لا يتعدى 23 ألف عامل من مجمل القوى العاملة الفلسطينية في الضفة الغربية البالغ تعدادها مليون عامل، مشيرا إلى أن هذه الأعداد تتغير شهريا وفق نهج الابتزاز الذي يمارسه جيش الاحتلال واستصدار التراخيص يكون وفق أهوائهم وأمزجتهم.
وأشار إلى أن معظم هؤلاء يتعرضون للاستغلال من قبل مشغليهم الإسرائيليين يصل إلى حد عدم دفع أجورهم وتسليمهم للشرطة أذا ما أصروا على المطالبة بحقوقهم، بينما الذين يدخلون عن طريق "التهريب" أشبه ما يكونون بالرهائن، ودائما يكونون مطاردين وخائفين من ملاحقات دوريات الشرطة أو حرس الحدود.

المصدر: صحيفة الأيام