الجمعة:
2026-09-04

الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: القوائم المتنافسة والسيناريوهات

نشر بتاريخ: 25 إبريل، 2021
الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة: القوائم المتنافسة والسيناريوهات

رام الله مكس - بعد جولات عدة من الحوار بين الفصائل الفلسطينية، في إسطنبول وبيروت والقاهرة، اتفقت هذه الفصائل على إجراء الانتخابات الفلسطينية في مراحلها الثلاث بالتتابع: المجلس التشريعي في 22 مايو، ورئاسة السلطة الفلسطينية في 31 يوليو، والمجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية في 13 أغسطس. وأصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في 15 يناير 2021 المراسيم الانتخابية الخاصة في الانتخابات التشريعية المقبلة.

تتناول هذه الورقة الأهداف والسياق السياسي الذي تُعقد فيه الانتخابات التشريعية الفلسطينية، والمشهد الانتخابي الفلسطيني والمواقف الإقليمية والدولية من الانتخابات، وسيناريوهاتها، وتداعياتها المحتملة على المشهد السياسي الفلسطيني والعلاقة بإسرائيل.

الانتخابات الفلسطينية: الخلفيات والأهداف

تُجرى الانتخابات الفلسطينية للمجلس التشريعي بعد مرور 15 عاماً على الانتخابات الأخيرة عام 2006، والتي فازت فيها حركة حماس بأغلبية المقاعد. ويعود أحد الأسباب البنيوية المركزية لفوز حماس هو النظام الانتخابي الفلسطيني للعام 2005، الذي اعتمد في حينه على النظام المختلط، النسبي والمناطقي (الدوائر)، حيث استطاعت حركة حماس تحقيق فوزها بسبب النظام المناطقي بالأساس. وفي التعديل الانتخابي الذي أصدره الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2007، تم تعديل نظام الانتخابات واعتماد النظام النسبي (القوائم فقط) باعتبار كل فلسطين وحدة انتخابية واحدة. وبناءً على ذلك، سوف تعتمد الانتخابات المقبلة نظامَ القوائم التي ستتنافس في الانتخابات على اعتبار مناطق السلطة الفلسطينية (بما في ذلك القدس) دائرة انتخابية واحدة، مع نسبة حسم تصل إلى 1.5% من الأصوات.

وتُعقد الانتخابات الفلسطينية للمجلس التشريعي الفلسطيني بعد مرور حوالي عام على بدء الحوار بين حركتيّ فتح وحماس، والذي جاء في أعقاب طرح "صفقة القرن" خلال الإدارة الأمريكية السابقة، وإعلان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو عن مخطط الضم، وتَعزز هذا التوجه بعد توقيع الاتفاقيات الإبراهيمية بين إسرائيل وكلٍّ من دولة الإمارات ومملكة البحرين في 15 سبتمبر 2020، وما تلاها من اتفاقات إقامة العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وكلٍّ من السودان والمغرب.

جاء إصدار مرسوم الانتخابات في 15 يناير 2021 نتيجة حوارات مُطولة جرت بين ممثلي حركتيّ فتح وحماس في إسطنبول، وأسفرت حوارات إسطنبول عن إعلان الحركتين في 24 سبتمبر 2020، عن رؤية مشتركة تستند إلى المسارات التي توصل إليها مؤتمر الأمناء العامِّين للفصائل الفلسطينية الذي انعقد مطلع سبتمبر 2020، في كلٍّ من بيروت ورام الله، حيث كان أحد هذه القرارات التوافقَ على إجراء الانتخابات التشريعية، والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني[1]، وبعد أن كانت "حماس" تشترط إجراء الانتخابات الثلاث بالتزامن، وافقت في مطلع يناير 2021 على إجراء الانتخابات بالتتابع، بعد أن تلقت ضمانات عربية ودولية بـالالتزام بإجراء الانتخابات الثلاث خلال ستة شهور، وضمان نزاهتها، على حد قولها،[2] وإن كان محللون يرون أن السبب الحقيقي لتراجع حماس عن شرطها هو حاجتها إلى إجراء الانتخابات.

وعليه، فإن انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني تمثل الخطوة الأولى نحو ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني في السلطة الفلسطينية (التشريعي والرئاسي) ومنظمة التحرير الفلسطينية (المجلس الوطني)، والأخيرة تُعد نقطة مركزية، حيث ستشارك "حماس" لأول مرة في انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية وتكون عضواً فيها.

ويمكن الاشارة إلى مجموعة من الأهداف لإجراء الانتخابات:

رغبة الحركتين في تجديد شرعيتهما السياسية عبر الانتخابات، والتي أجريت آخر مرة عام 2006، وبعدها حدث الانقسام الفلسطيني عام 2007، وسيطرة كل حركة على منطقة جغرافية (فتح/السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية، وحركة حماس على قطاع غزة) لمدة 14 عاماً من دون انتخابات؛ إذ يتعامل الجمهور الفلسطيني مع الحركتين كسلطتين غير شرعيتين، وكسلطتين تحكمان بفعل القوة وليس بفعل الانتخابات، مما أدى إلى تراجع شرعيتهما بين الجمهور الفلسطيني.

أن تكون الانتخابات الفلسطينية في مراحلها الثلاث (التشريعية، والرئاسية، والوطنية)، بمنزلة أداة لإنهاء الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ودمج حماس (والجهاد الإسلامي) بمنظمة التحرير الفلسطينية.

الضغط الشعبي الفلسطيني للخروج من حالة التأزم السياسي عبر انتخابات جديدة تتيح المجال لجيل جديد يأخذ دوره في قيادة الشعب الفلسطيني وإدارة السلطة الفلسطينية.

التجاوب مع التغير الذي حصل في واشنطن ومجيئ إدارة بايدن، ومع الضغوط الدولية والإقليمية من أجل تجديد شرعية السلطة الفلسطينية، بما يدعم استئناف مفاوضات السلام مع إسرائيل.

وباختصار، يمكن القول إن الانتخابات تحقق أهداف ومصالح أكبر فصيلين فلسطينيين، وهما فتح وحماس، سواء من حيث تجديد شرعيتهما الداخلية والخارجية، أو من حيث تكريس مكاسبهما في السلطة والحكم.

المشهد الانتخابي الفلسطيني

في بيان أصدرته لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية أشارت إلى أنها "قبلت ترشح جميع القوائم التي تقدمت بطلبات الترشح وعددها 36 قائمة، منها سبع قوائم حزبية و29 قائمة مستقلة، فيما بلغ عدد المرشحين في جميع القوائم 1391 مرشحاً، بينهم 405 نساء بنسبة 29% من المجموع الكلي للمرشحين"[3].

وعند مقارنة المشهد الانتخابي الحالي بالمشهد الانتخابي في عام 2006، يمكن تحديد بعض الفروقات بينهما:

تشارك حماس في هذه الانتخابات وهي حركة سلطة وليست معارضة، وهذا يضعها في منزلة واحدة مع حركة فتح، حيث كانت الأخيرة وحدها في السلطة.

تُجرى الانتخابات كما ذكرنا سابقاً وفق النظام النسبي مع نسبة حسم قليلة (1.5%)، مما أدى إلى تشكيل قوائم مستقلة كثيرة، وقد يؤدي هذا النظام الانتخابي إلى فوز قوائم كثيرة في الانتخابات.

حالة التفكك في حركة فتح على المستوى العام، ووقوع انشقاقات بداخلها عشية الانتخابات.

تُجرى الانتخابات بدون توافق مع إسرائيل حول إجرائها في القدس.

الإقبال الشعبي الكبير على الانتخابات، إذ سجل أكثر من 93% من الناخبين الذي يحق لهم الاقتراع في سجلات الانتخاب.

يُشكل الانقسامُ في حركة فتح السمةَ الأبرز في المشهد الانتخابي الفلسطيني. وعملياً، تشارك حركة فتح في الانتخابات بثلاث قوائم متنافسة على الأقل، هي قائمة حركة فتح الرسمية التي تمثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس واللجنة المركزية، وقائمة المستقبل التي تمثل التيار الإصلاحي (تيار محمد دحلان)، وهو تيار استعد لهذه المرحلة منذ سنوات بشكل جيد، ولديه من المال والاستعدادات اللوجستية ما يُمكّنه من تحقيق نتائج نوعية في أي عملية انتخابية، والقائمة الثالثة برئاسة المفصول من حركة فتح ناصر القدوة (قائمة الحرية)، حيث تدعم قائمته بعض قيادات الحركة المعترضة على نهج الرئيس عباس، وربما الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي. والأخير يستعد للمنافسة على انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية المقررة في يوليو المقبل، وذلك على الرغم من الضغوط التي تمارسها حركة فتح لثنيه عن قراره[4].

يُشير استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إلى ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات التي من المتوقع أن تصل إلى 78%، وبيّنت نتائج آراء المستطلعين أن قائمة فتح الرسمية وقائمة حماس ستحصلان على أكثر من 50% من الأصوات، إذ من المتوقع أن تحصل قائمة فتح الرسمية على 32% من الأصوات، أما قائمة حماس فستحصل على 28% من الأصوات، وتليها قائمة دحلان بنحو 6% من الأصوات، ثم قائمة مصطفى البرغوثي بـ 5%، فقائمة ناصر القدوة بـ 4%[5].

وتُواجه الانتخابات مسألة مشاركة سكان القدس، حيث تم التوجه إلى إسرائيل للسماح بإجراء هذه الانتخابات في المدينة كما جرى في العام 2006، وتتضمن "اتفاقية المرحلة الانتقالية" المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل الموقعة في واشنطن 28 سبتمبر 1995، بنداً يُتيح للمقدسيين الاقتراع في الانتخابات الفلسطينية، غير أن إسرائيل لم تسمح لغاية الآن بإنشاء محطات انتخابية داخل مدينة القدس، وفق تصريحات رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتيه.

وبدأ يتشكل موقف فلسطيني بعدم إجراء الانتخابات برمتها في حال لم تسمح إسرائيل باقتراع سكان القدس. فقد صرّح حسين الشيخ وزير الشؤون المدنية الفلسطينية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح أن موضوع القدس يُعد مسألة مهمة لإجراء الانتخابات، وأكدت على هذا الموقف حركة حماس أيضاً، التي أطلقت على قائمتها اسم "القدس موعدنا". وتعمل الحركتان على صياغة موقف مُوحد من الموضوع تجتمع عليه الفصائل الفلسطينية. فيما أكد وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي أنه لا انتخابات فلسطينية من دون القدس الشرقية المحتلة[6].

المواقف الإقليمية والدولية من الانتخابات الفلسطينية

تحظى الانتخابات الفلسطينية باهتمام دولي، هادئ على السطح ومكثف في الخفاء. فبالنسبة للولايات المتحدة، فإن ادارة بايدن لم تعترض على إجراء الانتخابات الفلسطينية من حيث المبدأ، لكنها تشترط فيمن يُرشح نفسه الاعترافَ بدولة إسرائيل، ونبذ العنف والإرهاب، وهو موقف يتساوق مع موقف الرباعية الدولية عشية انتخابات عام 2006، والتي قالت إنها تعتبر الموافقة على شروط الرباعية، مثل الاعتراف بإسرائيل ونبذ العنف والارهاب وقبول حل الدولتين، هو شرط للتعامل مع أي حكومة فلسطينية تنتج عن الانتخابات[7]. ولا يختلف الموقف الأوروبي عن الموقف الأمريكي في الموافقة والترحيب بإجراء انتخابات، مع التزام الحكومة الجديدة بمبادئ الرباعية، ويعمل الاتحاد الأوروبي على الحصول على موافقة إسرائيلية من أجل إجراء الانتخابات في القدس، فضلاً عن استعداده لبعث فرق مراقبة على الانتخابات تضمن سيّرها الصحيح والديمقراطي.

وفي حديث جرى بين وزير الخارجية الإسرائيلي غابي أشكنازي ونظيره الأمريكي أنتوني بلينكن حول الانتخابات الفلسطينية أوضحا أن الدولتين لن تضعا العراقيل أمام إجراء الانتخابات الفلسطينية، لكنهما تخشان من فوز حركة حماس، وتفضلان تأجيلها. وأوضح اشكنازي أن الانقسام في حركة فتح قد يؤدي إلى فوز حركة حماس في الانتخابات، فيما أعرب بلينكن أن الولايات المتحدة لا تعارض إجراء الانتخابات الفلسطينية لكنها تتمنى أن يبادر الفلسطينيون إلى تأجيلها[8].

لم تحظَ الانتخابات الفلسطينية البرلمانية في مايو، والرئاسية في يوليو باهتمام كبير في المشهد السياسي الإسرائيلي حتى الآن. ويُمكن تفسير ذلك بانشغال القوى السياسية في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في مارس الماضي، وتشكيل الحكومة، وحالة الحذر من إطلاق أي تصريح في هذه الفترة، إذ امتنعت الأطراف الإسرائيلية عن التطرق للموضوع خوفاً من تداعياته السياسية على انتخابات الكنيست نفسها، فضلاً عن تهميش الموضوع الفلسطيني في السجال السياسي بين هذه القوى، حتى اليمينية والاستيطانية منها. علاوة على ذلك، فإن إسرائيل قد تنطلق من فهم مختلف لهذه الانتخابات على اعتبار أنها لن تُحدث تغييراً استراتيجياً في الوضع القائم بعد اتفاقيات السلام الأخيرة مع أربع دول عربية (الإمارات والبحرين والسودان والمغرب)، وانشغال العالم بجائحة كورونا، مع حرصها الدائم على عرقلة الانتخابات وإمكانية منعها في المناطق التي تسيطر عليها مثل القدس ومنطقة "ج" (C).

وفي هذا الصدد، تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن إسرائيل تتابع موضوع الانتخابات حالياً بصمت وهدوء، وأنها تتدخل فيها ضمنياً، في إشارة إلى موجة الاعتقالات الأخيرة لقيادات من حماس في الضفة الغربية، والتي تنفذها إسرائيل بهدف ضرب تحضيرات حركة حماس للانتخابات[9]. ويشير الكاتب الإسرائيلي، آفي يساخاروف، إلى أن الانتخابات تضع إسرائيل أمام مأزق ليس بالبسيط، فمن جهة عملت إسرائيل في السنوات الأخيرة على إضعاف السلطة الفلسطينية وتعزيز الانقسام بين الضفة الغربية وغزة، ومن جهة أخرى فهي لا تريد فوز حركة حماس في الضفة الغربية، وفي الوقت نفسه تعتقد بأن فوز أبي مازن لا يخدم سياستها في تعزيز الانقسام، فضلاً عن خوفها من أبي مازن كشخص مقبول لدى الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي. ويضيف الكاتب، أن إسرائيل في عهد ترمب كانت تمرر رسائل إلى السلطة الفلسطينية مفادها أنها لن تسمح بإجراء انتخابات تشارك فيها حركة حماس، والآن مع تغير الإدارة الأمريكية فإن الموقف الإسرائيلي غير واضح من الانتخابات الفلسطينية، وسياستها اتجاهها[10].

ويعتقد الصحفي اليؤور ليفي بأن إسرائيل لن تسمح بإجراء الانتخابات في القدس، وذلك على عكس انتخابات 2006، فالواقع السياسي والدولي والإقليمي تغير، ولن تستطيع الحكومة الإسرائيلية القادمة، لاسيّما إذا كانت يمينية، السماح للسلطة الفلسطينية بإجراء الانتخابات في القدس[11]. في حين، صرّح الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين، خلال زيارته إلى ألمانيا، أن إسرائيل مهتمة بالمساعدة في إجراء الانتخابات الفلسطينية، وأنها لن تتدخل في الانتخابات. وأشار ريفلين إلى أن إسرائيل لم تتلقَّ طلباً للسماح بالتصويت في شرقي القدس، لافتاً إلى أنه في الماضي تم منح الفلسطينيين فرصة للتصويت في المدينة.[12]

وتشير كتابات إسرائيلية إلى أن مشاركة سكان شرقي القدس في الانتخابات ستكون أهم عقبات هذه الانتخابات، ومع أنه يمكن التغلب على ذلك من خلال التصويت الإلكتروني أو التنقل للتصويت في مناطق السلطة، إلا أن ذلك سيؤدي إلى تقليل نسبة التصويت في صفوف المقدسيين.

وتربط المقاربة الإسرائيلية بين التغيرات في الإدارة الأمريكية والانتخابات الفلسطينية، إذ تنطلق المقاربة الإسرائيلية من أن السلطة الفلسطينية تهدف من إجراء الانتخابات إلى محاولة دمج حماس في العملية السياسية وإقناع الامريكيين بذلك بعد انتهاء ولاية ترمب، والتأكيد لهم أن انتخابات حرة ونزيهة لا يمكن أن تكون باستثناء حركة حماس، فضلاً عن هدفها الضغط على إسرائيل من أجل القبول بالدخول إلى مفاوضات مع السلطة الفلسطينية[13].

وفيما يتعلق بمصر والأردن فإن الدولتين أعلنتا رسمياً تأييدهما إجراء انتخابات فلسطينية، لكنهما تشعران بالقلق من إمكانية فوز حركة حماس في الانتخابات، وقد بعثت الدولتان مديرا جهازي المخابرات لديهما للقاء الرئيس الفلسطيني من أجل نقل قلقهما من هذا الأمر، ففوز حركة حماس في الانتخابات سيكون له استحقاقه السياسي والداخلي والأمني في نظر الدولتين[14]. وجاءت زيارة مديري المخابرات الأردنية والمصرية للرئيس الفلسطيني في يناير 2021، أي قبل يومين من إعلانه عن موعد الانتخابات، للتشاور في تداعيات سيناريو فوز حماس في الانتخابات، إذ إن فوز حماس في نظر الدولتين سوف ينعكس على قوة الإخوان المسلمين في بلديهما، حيث تعمل الدولتان على الحدّ من وجودها ودورها.

السيناريوهات المحتملة للانتخابات الفلسطينية

يمكن الاشارة إلى مجموعة من السيناريوهات المحتملة للانتخابات التشريعية الفلسطينية، على النحو التالي:

السيناريو الأول: إلْغاء الانتخابات أو تأجيلها. يَنطلق هذا السيناريو من إمكانية أن يتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس قراراً بإلغاء الانتخابات التشريعية أو تأجيلها، حيث يعطي قانون الانتخابات الصلاحيةَ لرئيس السلطة الفلسطينية اتخاذ مثل هذا القرار بناءً على معطيات وظروف يراها موضوعية. أما العوامل التي قد تدفع لهذا السيناريو فهي:

التفكُّك الحاصل في حركة فتح، والذي قد يؤدي إلى خسارتها الانتخابات التشريعية بصورة مدوية تُفقدها مكانتها السياسية والتاريخية لدى الشعب الفلسطيني عموماً، وداخل السلطة الفلسطينية خصوصاً، وعلى المستوى الإقليمي والدولي على وجه الخصوص، لاسيما أن حركة فتح تخوض الانتخابات منقسمة على ذاتها، وهناك تخوف إقليمي ودولي من فوز حركة حماس.

تصاعد جائحة كورونا في مناطق السلطة الفلسطينية في ظل الانتشار الكبير للجائحة، وعجز الجهاز الصحي الفلسطيني عن مواجهة ضغوطات عدد الإصابات المرتفع.

احتمالات فوز حماس في الانتخابات التشريعية ستؤدي إلى تعزيز شرعيتها السياسية، وتآكل دور ومكانة حركة فتح، والعودة إلى التأزم السياسي الذي نشأ بعد فوز حماس في انتخابات عام 2006، وما حمل من تداعيات إسرائيلية وإقليمية ودولية على السلطة الفلسطينية والتسوية السياسية، فضلاً عن التداعيات الناتجة عن فوز القائمة التي يمثلها مروان البرغوثي وناصر القدوة اللذين يخوضان الانتخابات بشكل مستقل.

عودة العلاقات بشكل تدريجي مع الإدارة الأمريكية الجديدة، على نحو إعادة فتح مكتب البعثة الفلسطينية في واشنطن، وتجديد الدعم المالي الأمريكي للسلطة الفلسطينية، وتجديد الدعم الأمريكي لوكالة الأونروا، والعودة إلى السياسة الأمريكية التقليدية فيما يتعلق بالتسوية الإسرائيلية-الفلسطينية، مما يدفع الرئيس الفلسطيني إلى تأجيل الانتخابات لتفادي تداعياتها المحتملة على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية.

العقبات التي قد تضعها إسرائيل على العملية الانتخابية، مثل منع إجراء الانتخابات في القدس، مما قد تشكل ذريعةً للرئيس الفلسطيني تأجيل الانتخابات، فضلاً عن اتفاق الفصائل الفلسطينية على هذا الأمر، مما يُسهل على الرئيس الفلسطيني اتخاذ هذا القرار ضمن إجماع وطني فلسطيني.

تدخل دول اقليمية لا ترى مصلحتها في إجراء الانتخابات الفلسطينية في هذه المرحلة، وذلك خوفاً من تغييرات سياسية قد تحدثها الانتخابات، مثل فوز حركة حماس، والذي قد يُنذر بقطيعة بين السلطة الفلسطينية ودول عربية، مثل مصر ودول خليجية.

السيناريو الثاني: إجراء الانتخابات وفوز قائمة حماس. ينطلق هذا السيناريو مع وجود إمكانية كبيرة لفوز حركة حماس في الانتخابات، وذلك كما حدث في الانتخابات الأخيرة عام 2006، وإن لم يكن بنفس الحدة. ويمكن للحركة الفوز بناءً على المعطيات التالية:

وحدة حماس ووجود قائمة مركزية لها في الانتخابات، مقابل التفكك والصراعات الداخلية في حركة فتح.

التنظيم الكبير للحركة في الانتخابات، لما تملكه من بنية تحتية مؤسساتية في الضفة الغربية تجعلها أوفر حظاً للفوز في الانتخابات مقابل ضعف اليسار الفلسطيني من جهة، وتفكك حركة فتح من جهة ثانية التي اختزلت دورها في السلطة الفلسطينية بالأساس.

حالة الغضب من السلطة الفلسطينية وفسادها، قد تدفع بسكان الضفة الغربية إلى التصويت لحركة حماس، فضلاً عن أن قطاع غزة ورغم سيطرة حماس هناك، وغضب قطاعات من سكانه على حكمها، غير أن حدة الغضب في الضفة على حركة فتح أكبر من حدّة غضب سكان القطاع على حركة حماس، التي لا يحمّلونها المسؤولية كاملة عما يحدث في قطاع غزة، في حين يحمّل الناسُ السلطةَ الفلسطينية المسؤولية الكاملة عما يحدث في الضفة الغربية.

ويحمل هذا السيناريو تداعيات محتملة، على نحو:

تعميق انعزال السلطة الفلسطينية عن دول إقليمية ودولية ترى في حماس حركة متطرفة، ولا تؤمن بتسوية الصراع على أساس حل الدولتين.

وقف المساعدات والدعم السياسي للسلطة الفلسطينية من طرف دول إقليمية ودولية، مثل الولايات المتحدة ودول إقليمية عربية التي ترى في حماس حركة ارهابية.

ازدياد التأزم في الداخل الفلسطيني وحدوث صراعات بين حركة فتح والسلطة الفلسطينية (الدولة العميقة) من جهة، وحركة حماس من الجهة الأخرى يُنذر ربما باقتتال داخلي، وزيادة في التأزم السياسي بدل حلّه.

تصعيد السلوك الإسرائيلي تجاه السلطة الفلسطينية، مثل عرضها في المحافل الدولية بأنها لا تريد السلام، واتخاذ إجراءات عقابية ضد السلطة الفلسطينية، على نحو تجميد أموالها لدى إسرائيل، واعتقال قيادات حركة حماس في الضفة الغربية، ورفْض الدخول لأي مبادرة تسوية تقترحها الإدارة الأمريكية بحجة فوز حركة حماس.

إضعاف الرئيس الفلسطيني محمود عباس على المستويين الإقليمي والدولي، وتعزيز نزع شرعيته كممثل للشعب الفلسطيني.

السيناريو الثالث: إجراء الانتخابات وفوز قائمة فتح. ينطلق هذا السيناريو من إمكانية فوز حركة فتح بالانتخابات، وذلك على الرغم من تراجعها الشعبي والانقسامات الداخلية، ويستند هذا السيناريو على المعطيات التالية:

إجراء الانتخابات وفق الطريقة النسبية، بخلاف المرة السابقة التي أجريت فيها الانتخابات بالطريقة المزدوجة النسبية والمناطقية، سوف يزيد إمكانية فوز حركة فتح، فحماس فازت في الانتخابات السابقة بسبب المركب المناطقي في الانتخابات، في حين لو كانت الانتخابات قد أجريت بالطريقة النسبية فقط لحصلت الحركتان على عدد المقاعد نفسه.

رغم الانقسام في حركة فتح، فإن القوائم التي ستفوز ستفضل حكومةً برئاسة فتح، حتى تلك التي انشقت عنها.

التجربة السابقة لفوز حماس وما رافقها من حصار اقتصادي وانقسام سياسي قد تدفع الفلسطينيين إلى التصويت لحركة فتح، لاسّيما في أعقاب تفاقم الوضع الاقتصادي، حيث قد يفكر الناس بأن التصويت لحماس سوف يزيد الأوضاع الاقتصادية صعوبة، بينما فوز حركة فتح قد يجدد شرعية السلطة بقيادتها، مما ينعكس على أوضاعهم الاقتصادية المعيشية، وزيادة الدعم المالي لها.

الغضب على حركة حماس كبير أيضاً في الشارع الفلسطيني؛ فحماس تخوض الانتخابات كحركة سلطة (في قطاع غزة) وليس كحركة معارضة. وتَعتبر قطاعات من الجمهور الفلسطيني أن حركة حماس فشلت في السلطة في غزة أكثر من فشل حركة فتح في الضفة الغربية، وسيكون البديل أمامهم الاختيار بين السيء (فتح) والأسوأ (حماس).

ضعف حركة حماس في الضفة الغربية منذ الانقسام، وهو الضعف الذي نتج عن ملاحقة السلطة وإسرائيل لها على مدار 15 عاماً، والذي أفقدها الكثير من قدراتها التنظيمية في الضفة الغربية، في حين كانت حركة فتح الحركة الوحيدة الفاعلة في الساحة السياسية.

ارتباط بيروقراطية كبيرة بحركة فتح في السلطة، فهناك عشرات الآلاف ممن يعملون في أجهزة السلطة الأمنية والادارية، حيث تعتبر السلطة المُشغِّلَ الرئيس في الضفة الغربية، مما قد يدفع هذه القطاعات التشغيلية إلى التصويت لحركة فتح للحفاظ على الوضع القائم ومصالحها.

وعي قطاعات من الشعب الفلسطيني أن فوز حماس سوف يؤدي إلى تدهور الاوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية كما هو الحال في قطاع غزة بسبب عدم قبول العالم لفوزها، فيفضلون التصويت لحركة فتح.

أما تداعيات هذا السيناريو فسيكون:

تجديد شرعية الرئيس محمود عباس على المستوى الدولي والاقليمي.

إضعاف حركة حماس وخطابها السياسي، مما يُنهي تبرير الانقسام بغياب شرعية السلطة الفلسطينية، إذ إن فوز حركة فتح سيُكسبها الشرعية للمطالبة بعودة غزة إلى سلطتها.

تحسين الموقف الفلسطيني أمام الدول والمؤسسات الدولية على اعتبار السلطة الفلسطينية هي شرعية من الناحية السياسية، فضلاً عن تحسين موقعها الدولي أمام إسرائيل التي تزعم أن الحكومة الفلسطينية غير شرعية.

السيناريو الرابع: إجراء الانتخابات وعدم حسمها بين الحركتين. ينطلق هذا السيناريو من افتراض غياب الحسم في الانتخابات لمصلحة واحدة من الحركتين، وذلك بفوزهما بنسبة قريبة إحداها من الأخرى. ويستند هذا السيناريو على النقاط التالية:

حركة فتح وحماس هما أكبر حركتين على الساحة الفلسطينية وباقي القوائم هي هوامش لهما.

تعاني الحركتين من نفس المشاكل النابعة من كونهما سلطتين، واحدة في غزة والثانية في الضفة، مما يجعلهما متساويتين في سلبياتهما وإيجابياتهما، مما يُفقد الأفضلية للحركة الأولى على الثانية في الساحة السياسية.

قوة الحركتين كانتا متساويتين إلى حد ما في انتخابات عام 2006 لو أنها اجريت بالطريقة النسبية فقط، ولكن فازت حماس بفضل المركب المناطقي للانتخابات.

التوافق بين الحركتين على تشكيل حكومة وحدة وطنية، مما يطمئن الساحة الجماهيرية بأن فوزهما سوف يُنهي الانقسام الفلسطيني.

فوز الحركتين سوف يساهم بإنهاء الانقسام الفلسطيني الذي هو بالأساس بين حماس وفتح.

وتُرجح الورقة السيناريو الرابع، إذ لن تُحسم الانتخابات بفائز ساحق لإحدى القوائم، كما حدث في عام 2006، وإنما فوز قائمة حركة فتح، يضاف لها قوائم أخرى مثل قائمة ناصر القدوة، وربما القائمة التي يقف خلفها محمد دحلان (المستقبل)، إلى جانب حركة حماس. وفي هذه الحالة فإنه سيكون من مصلحة حركتي حماس وفتح تشكيل حكومة وحدة وطنية كجزء من التوافق بينهما الذي سبق الانتخابات، وما يُرجح هذا السيناريو هو:

وجود تحديات للحركتين يجبرهما على التحالف، ومنها عدم قدرتهما على حسم الانتخابات كما كان عام 2006.

التحديات الداخلية لحركة فتح وظهور قوائم فتحاوية تنافس القائمة الرسمية، مما يضع الحركة في تحالف مع حماس ضد هذه القوائم التي تهدد مكانة محمود عباس في تشكيل الحكومة وفي الانتخابات الرئاسية، وخاصة أمام مروان البرغوثي.

التحديات لحركة حماس الناتجة عن تجربة 2006، حيث إن حماس تدرك أن استفرادها بالسلطة لن يحقق مصالحها في تثبيت أقدامها في الضفة الغربية، وإعطاء شرعية لحكومة تشكلها وحدها.

حاجة محمود عباس إلى دعم حركة حماس له في الانتخابات الرئاسية في يوليو المقبل، أو على الأقل عدم ترشيح مرشح من طرفها أو دعم مرشح آخر.

قبول حركة حماس بمبدأ حل الدولتين، ورغبتها في تسوية طويلة مع إسرائيل ينهي القتال بينهما، فضلاً عن جنوح حماس نحو كونها حركة سياسية سلطوية وأقل كحركة عسكرية، بسبب تجربتها في قطاع غزة.

الاستنتاجات

تُشكل الانتخاباتُ الفلسطينية التشريعية منعطفاً مهماً في مستقبل السلطة الفلسطينية، وعلاقتها بإسرائيل والقوى الإقليمية والدولية. ورغم أن هناك إمكانية لإلغائها بسبب ما ذُكر في السيناريو الأول، فإن هذه الخطوة سوف تشطب ما تبقى لشرعية محمود عباس في نظر الجمهور الفلسطيني، لاسيّما بعد الإعلان عن الانتخابات والجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل إخراجها لحيز التنفيذ، فضلاً عن تداعيات الإلغاء على وضع حركة فتح. كما أن الادعاء بعدم موافقة إسرائيل على إجراء الانتخابات في القدس لن يكون مُقنعاً للشارع الفلسطيني لوجود بدائل عديدة، مثل التصويت الإلكتروني، أو التصويت في مناطق السلطة القريبة من القدس.

وتحمل هذه الانتخابات مؤشرات مهمة على مستقبل شخص الرئيس الفلسطيني، وما قد تتمخض عنها الانتخابات الرئاسية في يوليو المقبل، فضلاً عن أنها تأتي في سياق سياسي حساس جداً مع عودة الإدارة الأمريكية لسياستها التقليدية تجاه المسألة الفلسطينية.

وجاءت فكرة الانتخابات كجزء من الخطوات التي اتّبعتها السلطة الفلسطينية، خضوعاً للضغط الشعبي من أجل مواجهة صفقة القرن وخطاب الضم الإسرائيلي. غير أن الأوضاع قد تغيرت عن العام المنصرم، ففي البيت الأبيض هناك إدارة أمريكية جديدة، وانتخابات إسرائيلية غير محسومة، وتراجع إسرائيلي عن الضم، وبدايات لترميم علاقات السلطة الفلسطينية مع الدول العربية الخليجية. وتغيُّر الواقع الجديد هو أمر لم يحسبه محمود عباس، الذي اعتقد أن الانتخابات قد تكون مقدمة لإنهاء الانقسام، وأنها ستكون أداته الوحيدة لمواجهة ما ذكر آنفاً. وبناءً على ذلك، لا شك في أن الانتخابات الفلسطينية تُعتبر مأزقاً للرئيس الفلسطيني لن ينقذه منها إلا فوزه في الانتخابات أو على الاقل عدم فوز حماس كما حصل عام 2006، وتشكيل حكومة تكون حركة فتح جزءاً مهماً منها وتقودها، مما يُمهد له الطريق للمضي نحو الانتخابات الرئاسية في يوليو المقبل بقلق سياسي أقل.