
رام الله مكس - ليلة مختلفة في بيتا” هكذا يصفها الإعلامي مجاهد بني مفلح ابن بلدة بيتا، وتحديدا عندما علم شبان البلدة بأن جيش الاحتلال الذي اقتحمها بسيارات الجيش المعززة باحثا عن سيارة شحن كبيرة تعود لإحدى عائلات البلدة لغرض مصادرتها.
ما كان من شبان البلدة إلا أن خرجوا من حاراتها وأزقتها وقاموا بإغلاق الشوارع وأشعلوا الإطارات ومنعوا عملية تسليم سيارة الشحن للجيش. وهو ما عكس حالة من التحدي، برأي بني مفلح، لم تشهدها البلدة من قبل بهذا المدى والجماهيرية ولطبيعة الموقف.
وكانت قوات الجيش قد اقتحمت منزل نوح الشرفا الذي يعمل متطوعا في الهلال الأحمر الفلسطيني (وهو أخ ليوسف الشرفا المعتقل في سجون الاحتلال) وهو صاحب الشاحنة الذي تتهمه قوات الاحتلال باستخدامها في عملية نقل إطارات السيارات إلى منطقة جبل صبيح من أجل استخدامها في عملية وفعاليات الإرباك الليلي.
الشباب الذين خرجوا ليلا نقلوا رسالة، بحسب بني مفلح، أنه في حال أصر الجيش على أخذ الشاحنة، فإنهم سيحرقونها عوضا عن منحها للجيش، وأكدوا في حراكهم العفوي أن ثمن الشاحنة سيقومون بجمعه ومنحه لصاحبها.
ذلك التصرف عكس حالة تحدٍ كبيرة، حيث رفض الأهالي منح الجيش الاحتلالي انتصارا صغيرا عليهم.
وبحسب شهود عيان، فإنه وفور وصول الجيش لمنزل الشرفا لم يجد الشاحنة التي كانت العائلة قد أخفتها في مكان بعيد، لكن قوات الجيش بقيت في المنزل لأكثر من 4 ساعات متواصلة، وتطالب بتسليم الشاحنة، وإلا سيقومون باعتقال الشقيق نوح، وهو ما تم فعلا.
تكبيرات العيد
هذا واستمرت لساعات متأخرة من مساء الخميس فعاليات الإرباك الليلي التي دخل على خطها تكبيرات العيد مع حمل المشاعل وأشعة الليزر وإحراق الإطارات. فقد كبّر مئات الشبان قبالة “جبل صبيح” في ليلة تمّمت الـ80 يوما من نضال الأهالي الذي يبدو أنه لن يتوقف دون أن ينتزعوا الجبل من براثن الاستيطان.
ويقف الحاج أبو خالد الشنار على قمة الجبل، وهو الذي أصبح أيقونة المكان مساندا الشبان، حيث يحمل ميكرفونا ويردد عبارات تدعم الشبان وتشد أزرهم.
وعلى القمة، تلقي الحاج أبو خالد مكالمة هاتفية من سجون الاحتلال، حيث نقل بدوره وعبر مكبرات الصوت رسالة الأسرى الفلسطينيين لحراس الجبل، وهي رسالة مليئة بعبارات الدعم والتأييد والمباركة. فيما رد عليهم مؤكدا أن الشبان في بيتا يؤكدون أنهم لن يقبلوا إلا الانتصار.
وببساطته وخفة ظله، وبتعبيرات تدمج الفكاهة بالموقف السياسي، يقدم الحاج أبو خالد الشنار وصلته في كل ليلة التي تمتد نحو ساعة من الزمن عبر استخدام مكبرات الصوت. وفي ختام حديثه أعلن أن صلاة عيد الأضحى ستكون على رأس الجبل وليس في أي مكان آخر.
احتشاد لعدم حرف البوصلة
على صعيد مواز، استمرت دعوات الناشطين وحكماء البلدة وعقلائها بدعوة الحراك الجماهيري إلى ضبط بوصلته وعدم الاهتمام بأي أمور جانبية تكون على حساب الموقف من الجبل والرغبة بانتزاعه من المستوطنين.
جاء ذلك على خلفية وجود بعض المؤشرات على خلافات داخلية، بعد أن قدمت الحكومة الفلسطينية دعما ماليا لجمعية نسوية خيرية في البلدة، وهو الأمر الذي أشعر الأهالي أن هذا الدعم جاء باتجاه بعيد عن أولويات المقاومة الشعبية فيها.
واستمر والد الشهيد محمد سعيد حمايل (15 عاما الذي استشهد قبل أكثر من شهر)، متحدثا وسط الجموع من ضيوف للبلدة وحراس الجبل وصحافيين، مؤكدا على أهمية عدم انحراف بوصلة نضال الأهالي، واعتبر أن كل “ما من شأنه إبعاد الأنظار عن قضية الجبل واستعادته، عليهم تركها وعدم التعاطي معها”.
في مقابل “جبل صبيح” وقف حمايل متحدثا بهدوء وحكمة وصلابة قائلا: “شبابنا أبطال، وهم نموذج يحتذى، ليس هناك مصلحة ذاتية في نضالهم، وأي شخص يريد أن يقودنا نحو أي توجه آخر غير مقاومة الاستيطان فلا نريده”.
وعن المشاريع التي قد تأتي للبلدة، أكد حمايل أن “النقاشات حول بعض المشاريع التنموية التي جاءت للبلدة أمر غير مبرر، ولا نريد اختزال الدماء والمعاناة كلها في “شوية” مشاريع، وشعارنا الحالي أن أي مشروع لا يخدم جبلنا ولا يعزز صمودنا لسنا بحاجة إليه، فالجبل قبلتنا، وعلينا الارتقاء بمستوى تضحيات البلدة”.
وتابع: “في حال وجود أي خلل سنعالجه بالطرق الممكنة، أما المشاريع التي لا تخدم الجبل وصمود السكان فلا نريدها، ولا نريد من يلتف على دماء الشهداء ونضال حراس الجبل، فهذا النضال يعتبر خطاً أحمر وسنقوم بحمايته”.
وأضاف أن “من يحمل رسالة الشهداء لا يجب أن يكون أرنبا، بل عليه أن يكون أسدا بالحق، نحن ضد الحزبية في حال لم تخدم قضيتنا، نحن مع الوحدة وعلم فلسطين فقط”.
الدكتور محمد جاسر من بلدة بيتا قال إن “بوصلة النضال في البلدة تشير إلى اتجاه واحد فقط، وهي بوصلة تحرير جبل صبيح، وحتى لا تنحرف البوصلة ولا تتشتت الجهود يجب أخذ العبر من دروس الانتفاضة الأولى”.
وتابع: “ظلت الانتفاضة الأولى تسير في الاتجاه الصحيح ولها هدف واحد وغاية واحدة حتى دخلت على الخط الصراعات الحزبية والأطماع المادية، عندها تعددت الأهداف واختلفت الغايات وانحرف المسار”.
واستدرك قائلا: “في فعاليات الجبل لا راية تعلو فوق العلم الوطني، ومرفوض أي هتاف أو شعار ينحدر نحو الحزب أو الحركة أو التنظيم مهما كانت ألوانها، وذلك كي يستمر هذا النضال بالهدف الواحد ويبقى التأييد الشعبي في أعلى درجاته”.
وكان أحد الناشطين الذي رفض الكشف عن اسمه، قد قال في تصريحات خاصة لـ”القدس العربي” إن “سلوك الحكومة الفلسطينية في دعم البلدة فيه الكثير من الغباء وعدم الوعي والمعرفة، فهم بوعيٍ أو بلا وعي عملوا على خلق حالة من التشويش والجدل بطريقة تقديمهم الدعم والمساعدة لقطاعات غير مستحقة ولا تخدم نضال الجبل”.
وكان مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته المنعقدة بتاريخ 5 يوليو/ تموز، قد أقر تلبية احتياجات بلدة بيتا التنموية اللازمة لدعم صمود المواطنين، لكن سكان البلدة شعروا أن هذا الدعم لم يذهب إلى القطاعات والمجالات التي تدعم صمودهم ونضالهم.
"القدس العربي"





