الأربعاء:
2026-09-09

لِفْتا… قرية فلسطينية ظليلة بين القدس ويافا تهددها أطماع دولة الاحتلال

نشر بتاريخ: 06 أغسطس، 2021
لِفْتا… قرية فلسطينية ظليلة بين القدس ويافا تهددها أطماع دولة الاحتلال

رام الله مكس - توجه أهالي قرية لفتا المهجّرة منذ نكبة 1948 بواسطة محاميهم سامي رشيد بالتماس للمحكمة المركزية الإسرائيلية في القدس المحتلة ضد ما يعرف بـ «دائرة أراضي إسرائيل» لإلغاء مخططها رقم 6036 الهادف إلى بناء 259 فيلا فخمة ومركزا تجاريا وفندقا بـ120 غرفة ومباني أخرى خدماتية وطرق على أنقاض القرية التي ما زالت خرائب بيوتها ومسجدها ومقبرتها ماثلة.
وأوضح المحامي رشيد أن المخطط الإسرائيلي لم يأخذ بعين الاعتبار الحقوق التاريخية لأهالي لفتا الفلسطينيين المهجرين في أراضيهم وبيوتهم وذاكرتهم وتاريخهم المهدد بالإزالة، ومحو معالم البلدة والأماكن المقدسة فيها كمسجد القرية الذي يعود بناؤه لأكثر من 800 عام، لافتا إلى المقامات والمقبرة التي تضم رفات الآباء والأجداد منذ مئات السنين، ومعاصر الزيتون والعنب، ومصاطب المباني، والمشهد الطبيعي الذي يحتوي على بقايا السلاسل التاريخية للمدرجات الزراعية.
ويهدد المخطط التنوع الحيوي البيئي الغني بالثروة الحيوانية والنباتية. وجاء في الالتماس أن اهتزازات وضربات آليات الحفر والتجريف لإقامة الجدران الاستنادية وقواعد البناء وشق الطرق ستهدد باختفاء منابع الماء وانهيار المباني الأثرية التاريخية، وذلك حسب خبراء ومهندسي الآثار والبيئة الذين اعترضوا على مخطط «دائرة أراضي إسرائيل» في لفتا.
يشار إلى أن هذا المخطط سبق للمحكمة المركزية الإسرائيلية أن قضت ببطلان مناقصته لبيع أراضي لفتا إثر الاعتراضات الكثيرة عليه من سكان القدس في فبراير/ شباط 2012 واليوم تعاود «دائرة أراضي إسرائيل» بمخططها المناقض لنتائج المسح الأثري لسلطة الآثار لعام 2014 ـ 2017.
وكشف هذا المسح أن لفتا تتكون من عشر طبقات أثرية تاريخية تحتوي في باطنها على بيوت سكنية ومبان وسوق مسقوف وست معاصر للزيتون والنبيذ وأدوات زراعية تعود للعهد الروماني والبيزنطي والصليبي والعثماني، وان لفتا كانت البلدة الصناعية للقرى من حولها في غربي القدس المحتلة.
يشار إلى أن أهالي لفتا الذين يسكنون في القدس على بعد عشرات الأمتار من بيوتهم الأصلية تقدموا بالالتماس في محاولة للحفاظ على الموروث الحضاري والثقافي للبلدة. وسبق أن وضعت لفتا في السجل التمهيدي للمحميات الثقافية المهددة بالخطر وفقا لصندوق التراث العالمي فيما أدخلتها منظمة اليونسكو ضمن قائمة أكثر من 25 موقعا أثريا مهددا في العالم.
وفي لقاء سابق مع «القدس العربي» استعاد الحاج محمد سليمان أبو ليل من أبناء لفتا، وهو مدير لدار الأيتام الإسلامية في القدس، ملامح الحياة الوادعة في قريته الغنية من كل نواحي الحياة.

أمنية الحاج أبو ليل

في كل مرة تثار قضية قريته ومسقط رأسه تتدفق داخله مشاعر الحنين: «ولدت في قرية لفتا عام 1924 دفنت أبي في مقبرة البلد قبل التهجير بستة أشهر عام 1948 المقبرة ما زالت موجودة وكذا بيوت أهلنا في القرية، وما زالت مدرستي في القرية موجودة إلى اليوم. المخطط المنوي إقامته على أراضي قرية لفتا هو مخطط يمثل أعلى درجات الظلم والاستبداد المنافية للديمقراطية».
وتساءل أبو ليل ألا يكفي ما بني من أحياء يهودية كـ «رموت» وغيرها على أرض البلدة؟ وقال إن كل ما يتمناه في حياته هو أن يدفن بجانب قبر أبيه في مقبرة قرية لفتا. وأضاف «بل أنا مستعد لدفع كل ما أملك لتحقيق هذا الهدف».
لفتا تلك القرية الوادعة، تقف شامخة في الشمال الغربي من بيت المقدس محيطة به، خصوصاً من الشمال والغرب، وهي بوابة القدس الغربية والشمالية، والقادم إلى القدس من الشمال يمرّ بالتلة الفرنسية وأرض السمار والشيخ جراح، وهي بعض أراضي قرية لفتا وكانت القرية الثانية من ناحية مساحة مسطحها من بين قرى مدينة القدس كما يؤكد ابن لفتا المرشد يعقوب عودة لـ«القدس العربي». ويشير إلى إقامة القسم الجديد من الجامعة العبرية على أراضي لفتا وكذلك مبنى الكنيست و«متحف إسرائيل» و«مباني الأمة» يقوم على أراضيها المعروفة بـ حارة الشيخ بدر.

التسمية التاريخية

تقول الرواية الشفوية المتداولة إن اسم لفتا بكسر اللام وسكون الفاء وفتح التاء، هو الاسم الموروث عن الآباء والأجداد في عهد الكنعانيين عرفت باسم (نفتوح) بمعنى الفتح باللغة الكنعانية، أما في الفترة الرومانية فقد عرفت بـ مي نفتوح.
في الحكم البيزنطي، وفي أيام الصليبيين عرفت القرية باسم كليبستا، وفي عام 1596 كانت قرية لفتا من ناحية القدس.
تقع لفتا إلى الشمال الغربي من القدس الشريف فوق رقعة مرتفعة من جبال القدس، وعلى السفح الغربي لجبل خلة الطرحة، وهي تشرف على أحد المجاري العليا لوادي الصرار، وهو وادي الشامي الذي يجري في طرفها الشمالي، وتخترق لفتا طريق القدس ـ يافا وكذلك طريق القدس ـ رام الله، وتصلها طرق معبدة وبعضها ممهدة تصلها بقرى دير ياسين وعين كارم والجورة وبيت إكسا وقالونيا والقسطل ومتوسط الارتفاع بالأمتار عن سطح البحر لقرية لفتا 675 مترا.

أهاليها قدموا التماسا لمحكمة مركزية لإنقاذها من الطمس والمحو

وقد جاء في كتاب «القدس مدينتي ولفتا قريتي» لمؤلفه الدكتور زكريا صيام عن أراضي أهالي لفتا المشتركة مع مدينة القدس أو كانت لأهالي القرية في داخل مدينة القدس ما يلي: «لعل اشتراك عائلات لفتاوية ومقدسية في ملكية بعض الأراضي الواقعة في المدينة المقدسة، يؤكد الصلة العضوية بين هذه القرية وهذه المدينة، بل إنك تجد أسماء بعض العائلات مشتركة هنا وهناك، وبالرغم من اقتراب موقع لفتا من بيت المقدس إلى الحد الذي اعتبرت فيه لفتا جزءا لا يتجزأ من القدس.
ويذكر صيام أهم الأراضي المشتركة: جبل المشارف: ويسمى أهل لفتا أعاليه «أرض البياض» لأن تربتها يغلب عليها اللون الأبيض أكثر من غيره، وقد كانوا يتعاملون مع الأرض بما يناسبها من أنواع الزراعة.

جبل المشارف

ويعد جبل المشارف من أهم المواقع الاستراتيجية التي تطل على مباني المدينة المقدسة، بل أن سبب تسميته بالمشرف يرجع إلى أن من يقف عليه يشرف بناظريه على المدينة المقدسة، ويقع على الطريق الرئيس المؤدي إلى القدس من مختلف المدن والقرى التي في شمال المدينة المقدسة، ويطلق عليه الفرنجة جبل «سكوبس» ويبلغ ارتفاعه عن سطح البحر نحو ثلاثة آلاف قدم، ويمكن للناظر من رأس الجبل أن يشاهد جبال السلط وغيرها من مرتفعات الأردن في الشمال والجنوب، وقد بنى اليهود على جبل المشارف شرقاً جامعتهم العبرية ومستشفى هداسا.
كذلك حي وادي الجوز: يتصل بالطرف الشرقي الجنوبي المنحدر من جبل المشارف، ويسمى «أرض السمار» نسبة إلى تربته وصخوره ويمتد إلى بداية جبل الطور. كذلك حي الشيخ جراح: يمتد إلى الجنوب من جبل المشارف، تقع فيه مبان حكومية وقنصليات أجنبية ومستشفى فرنسي خاص بعلاج أمراض العيون. أما حي باب العامود وباب الساهرة: وهذان البابان واقعان في الجهة الشمالية من بيت المقدس، ويعدان المدخلان الرئيسيان للقادم من شمال المدينة، وتتميز الأراضي الواقعة بينهما خارج السور بأهميتهما التجارية والسياحية، وتكثر فيها المدارس والبنوك والصيدليات وغيرها من المرافق الهامة، وفيها المقابر الإسلامية التي ضمت أضرحة بعض الفاتحين والعلماء والفقهاء الذين جاءوا إلى بيت المقدس منذ قرون خلت.
ويقع حي الشيخ بدر إلى الجهة الغربية الشمالية من بيت المقدس. وينقل الكاتب عن شيوخ لفتا أقوالهم إن قطعاً من أراضيهم موجودة في حي المصرارة وفي شارع يافا قبل عام 1948م ولديهم وثائق تثبت أن لهم أراضي ملاصقة لسور البلدة القديمة من الجهة الشمالية، منوها أن حدود لفتا إذن حسب الوثائق الفلسطينية وخريطة فلسطين عام 1945م، من الشمال قرى شعفاط وبيت حنينا وبيت أكسا، ومن الغرب بيت إكسا وقالونيا ومن الجنوب مدينة القدس ودير ياسين ومن الشرق قرى طور والعيسوية وشعفاط.

المسجد التاريخي

يقع مسجد لفتا في منتصف القرية وهو عبارة عن غرفتين سعة كل منهما حوالي (60) متراً وللمسجد محراب، وبجانبه مصلى الشيخ سيف الدين، ويطلق على المسجد اسم مسجد سيف الدين، وسيف الدين هذا هو الأمير سيف الدين عيسى بن حسين بن قاسم الهكاري، من أمراء جند القائد صلاح الدين.
ويقال إن هذا الأمير بعد انتصار جيش المماليك على التتار في معركة عين جالوت استقر في لفتا وأوقف على مصالح التربة (المقبرة) والمسجد في لفتا ربع أراضي قرية لفتا وذلك عام 656 هجري. وكان إمام المسجد في عام 1900 الشيخ حسن دقة وهو مدرس الكتاب في المسجد قبل بناء المدرسة وفي عام 1930 كان إمام المسجد الشيخ أحمد موسى ويساعده أحمد الحاج وذلك حسبة لله وبدون أجر ويتناوب على التدريس في المسجد الشيخ صالح عدوي من لفتا وهو من علماء الشافعية في القدس وخريج الأزهر في القاهرة وأحياناً الشيخ جمال الدجاني المدرس في مدرسة لفتا الأميرية في ذلك الوقت بالإضافة إلى عدد من مدرسي المسجد الأقصى المبارك ووعاظ الأوقاف.

خان الظاهر بيبرس

من آثار لفتا أيضا خان الظاهر بيبرس الواقع في الجزء الشرقي من أراضي الشيخ بدر والذي أمر ببنائه الظاهر بيبرس الذي أدرك الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع في قرية لفتا على طريق المواصلات ليرتاح فيه القادمون وعابرو السبيل من عناء السفر، ويتجهزوا منه لمتابعة السفر والتزود منه بحاجاتهم من الأغذية والماء، والتأمين على أرواحهم وأموالهم وبضائعهم.
وعرف هذا الخان باستمرار عطائه أكثر من 250 سنة منذ الإنشاء عام 662هـ. وكان حول الخان بساتين وحدائق جميلة وفي داخله مسجد وله إمام، وللخان مطبخ وفرن يعملان بانتظام.

الحياة الثقافية

ولشدة ارتباط أهالي لفتا بالقدس فلم يكتفوا بدفن الموتى في مقبرة القرية، بل كانوا وما زالوا يفضلون دفن موتاهم في مقابر القدس، ولهم جزء خاص بهم في مقبرة باب الساهرة. لقد اعتنى أهل لفتا بالناحية الثقافية، فكان لديهم الكتاتيب، وكان عدد ممن ينهون صف الكتاب يتوجهون للدراسة في مدارس القدس، رغبة منهم ومن أهلهم في إتمام تحصيلهم العلمي والثقافي، كما أن بعضا من شباب لفتا اختاروا التوجه إلى الأزهر الشريف، وعادوا يحملون شهادته المعتمدة من الشيوخ الأعلام في مصر، وفي الأزهر على وجه الخصوص، حيث كان وما يزال منارة للعلم والعلماء، وقد تم ذلك في الثلاثينيات من القرن العشرين وما قبلها. وينوه صيام وعودة إلى أن ذلك يعبر بوضوح عن عناية اللفتاويين بالحياة الثقافية.
وفي هذا المضمار قال الحاج محمد سليمان أبو ليل إن آلاف الأطباء والأكاديميين من أهل لفتا المهجرين اليوم موزعين في كثير من البلاد العربية وخاصة الأردن وقد تجد في البيت نفسه طبيبين أو أكثر.

المدرسة

يعتقد أهالي لفتا أن مدرستهم تأسست في عام 1929 وبجهودهم أنفسهم، وهي عبارة عن ثلاث غرف يدرس فيها حتى الصف الثالث. وأول من درس فيها الشيخ جمال الدجاني والشيخ جميل الهدمي والأستاذ فوزي النشاشيبي، والأستاذ سليم الجاعوني. وفي عام 1934 توسعت المدرسة لتصبح ابتدائية كاملة أعلى صفوفها الصف السابع الابتدائي وأجمعت الرواية الشفوية على أن عدد طلاب مدرسة لفتا الأميرية في عام 1940م كان حوالي 300 طالب من لفتا والقرى المجاورة.
ومن مدرسي المدرسة قبل النكبة الشيخ صالح عدوي، الأستاذ فؤاد أبو السعود، الأستاذ فؤاد ارياحي، الأستاذ كمال الريماوي، الأستاذ يوسف صيام، الأستاذ محمد صيام، الأستاذ محمد ربيع، الأستاذ محمد العباسي، الأستاذ توفيق الحوراني، الأستاذ محمد صباح، الأستاذ يوسف الحسيني، الشيخ جميل الخطيب، الشيخ شحادة. وتقلد إدارة المدرسة في لفتا كل من عيسى اهرام وكمال الريماوي.