الأحد:
2026-08-30

ضمنها سجائر وأدوية وهواتف.. تحقيق يكشف اقتصاد التهريب في غزة بتورط جنود وتجار

نشر بتاريخ: 20 أغسطس، 2026
ضمنها سجائر وأدوية وهواتف.. تحقيق يكشف اقتصاد التهريب في غزة بتورط جنود وتجار
رام الله مكس- كشفت وكالة أسوشيتد برس، في تحقيق موسع نشرته الخميس، عن اتساع شبكة تهريب البضائع إلى قطاع غزة، في ظل القيود الإسرائيلية المشددة على دخول السلع، مشيرة إلى أن هذه التجارة غير القانونية أصبحت جزءاً مهماً من اقتصاد القطاع، فيما يدفع السكان أسعاراً باهظة للحصول على احتياجات أساسية.

واعتمد التحقيق، على تحليل وثائق قضائية إسرائيلية، ومقابلات مع تجار وسائقي شاحنات ومسؤولين فلسطينيين وأمميين وسكان في غزة.
وبحسب التحقيق، تشمل البضائع التي تدخل غزة عبر شبكات التهريب السجائر والتبغ والوقود والهواتف الذكية وألواح الطاقة الشمسية، إلى جانب الأدوية والمعدات الطبية وقطع غيار السيارات ومواد البناء وغيرها.

وتفرض "إسرائيل" قيوداً على كميات بعض السلع وتحظر دخول سلع أخرى، فيما تصنف نحو 150 فئة واسعة من المنتجات باعتبارها "ذات استخدام مزدوج"، بدعوى إمكانية استخدامها لأغراض عسكرية.
وبحسب التحقيق، تسمح "إسرائيل" حالياً لنحو 12 تاجراً رئيسياً في غزة باستيراد البضائع التجارية، بعد الحصول على موافقات مسبقة على محتويات الشحنات. لكن بعض هؤلاء التجار يلجأون إلى شبكات التهريب لتوفير سلع لا يستطيعون إدخالها عبر القنوات الرسمية.
وتشير الوكالة إلى أن مستشفيات ومؤسسات مدنية في غزة لجأت بدورها إلى هذه الشبكات للحصول على أدوية ومعدات وقطع غيار ووقود ومولدات، في حين طلب وجهاء عشائر إدخال أدوية يحتاج إليها سكان مناطقهم بسبب نقصها في الأسواق.
وتتم عملية التهريب، وفق التحقيق، عبر شبكة من الوسطاء والمنسقين على جانبي الحدود. ويرسل بعض التجار قوائم بالسلع المطلوبة إلى منسقين إسرائيليين وفلسطينيين، يتولون توفير البضائع وترتيب مسارات إدخالها إلى القطاع.
وتدخل معظم البضائع التجارية والمساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، حيث تخضع الشاحنات للتفتيش، لكن التحقيق يقول إن المهربين يستخدمون أيضاً طرقاً أخرى، بما في ذلك مركبات عسكرية إسرائيلية، مستفيدين من دفع رشاوى لجنود وسائقين وعمال مستودعات وغيرهم لتسهيل مرور الشحنات.
كما استخدمت أحياناً شاحنات تابعة لمنظمات إنسانية، وإن كان ذلك بوتيرة أقل.
وقال أحد التجار إن التهريب أصبح "أمراً روتينياً"، مضيفاً أن القيود المفروضة على دخول البضائع جعلت التهريب، بالنسبة إلى بعض التجار، الوسيلة الوحيدة للحصول على المنتجات التي يحتاج إليها السوق.
وتشير بيانات التجار الذين تحدثت إليهم الوكالة إلى أن التهريب أصبح يشكل أكثر من نصف نشاط بعضهم، فيما يمكن أن تصل حصته إلى أكثر من 70% من أرباحهم.
وتضاف إلى تكلفة البضائع مبالغ تدفع في مراحل مختلفة من عملية النقل، بدءاً من السائقين وعمال المستودعات وصولاً إلى الوسطاء والجهات التي تسهل دخول الشحنات.
أسعار فلكية على المواطن
وينعكس ذلك مباشرة على المستهلكين في غزة. فقد ارتفع سعر بطارية السيارة، وفق التحقيق، إلى أكثر من 2300 دولار، مقارنة بنحو 140 دولاراً قبل الحرب، فيما تباع ألواح الطاقة الشمسية بنحو 3.25 دولارات للواط، مقابل 16 سنتاً قبل الحرب.
وتعد السجائر والتبغ من أكثر السلع ربحاً للمهربين، بعدما حُظر إدخالهما إلى غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. وقال مواطنون إن سعر علبة السجائر وصل مؤخراً إلى نحو 140 دولاراً، فيما تجاوز ألف دولار خلال فترة الحصار الكامل التي منعت دخول السلع إلى القطاع.
طرق التهريب
ويشير التحقيق إلى أن المهربين يستخدمون طرقاً متنوعة لإخفاء شحنات السجائر، بما في ذلك المركبات العسكرية والشاحنات التجارية وشحنات المساعدات، فيما كشفت وثائق قضائية عن حالات جرى فيها إخفاء السجائر داخل منتجات أخرى.
ولا تقتصر الاستفادة من التجارة غير القانونية على المهربين والوسطاء، إذ تقول أسوشيتد برس إن الحكومة التي تديرها حماس في غزة تحصل أيضاً على أموال من السلع المهربة عبر ما يسميه التجار "التحصيل".
"أبو باسل"!
ويكشف التحقيق أيضاً عن وجود شخص غامض يعرف باسم "أبو باسل"، قالت مصادر عديدة إنه أحد أبرز منسقي عمليات التهريب. وتظهر وثائق قضائية إسرائيلية أن الشرطة داهمت مستودعاً في مستوطنة بالضفة الغربية كان يحتوي على هواتف وسجائر مخصصة للنقل إلى غزة، لكن العملية انتهت دون اعتقالات أو مصادرة للبضائع بعد اتصال أحد المهربين بـ"أبو باسل"، وفق ما ورد في الوثائق.
وقال مسؤول كبير في غرفة تجارة غزة للوكالة إن "أبو باسل" يتمتع بنفوذ واسع داخل شبكة التهريب، فيما لم تتمكن أسوشيتد برس من تحديد هويته. وتقول وثائق قضائية إنه استخدم منظمة مساعدات كغطاء لأنشطته، بينما نفت المنظمة المعنية أي صلة لها بالتهريب.
وفي "إسرائيل"، كشفت لوائح اتهام عن جزء من حجم الشبكة. فمنذ أواخر عام 2025، أعلنت السلطات الإسرائيلية تفكيك عدة شبكات تهريب ووجهت اتهامات إلى أكثر من عشرة أشخاص، بينهم جنود احتياط شاركوا في عمليات داخل غزة.
وفي إحدى القضايا، اتهمت السلطات أربعة إسرائيليين بإدارة شبكة تهريب من مدينة كريات غات، وبإقامة علاقات مع جنود احتياط وتقديم رشاوى لهم لإدخال شحنات إلى غزة.
وتقول لوائح الاتهام إن أحد الجنود تلقى نحو 120 ألف دولار مقابل إدخال ثلاث شحنات تضمنت نحو 6 آلاف علبة سجائر، بينما نفذ جنديان آخران أربع رحلات إلى غزة في يوم واحد ونقلا نحو 20 ألف علبة سجائر ومئات أجهزة آيفون ومعدات طبية.
وتشير وثائق المحاكم الإسرائيلية إلى أن ملايين الدولارات كانت تتداول داخل شبكات التهريب. واتُهم شقيقان إسرائيليان، وفق الوثائق، بتحقيق نحو 2.2 مليون دولار من عمليات تهريب نفذت بين أكتوبر وديسمبر، فيما اتُهم آخرون بتحقيق أرباح تراوحت بين مليون وثلاثة ملايين دولار.
ورغم هذه القضايا، يقول التجار والسائقون الذين تحدثت إليهم أسوشيتد برس إن ما تكشفه السلطات الإسرائيلية لا يمثل سوى جزء محدود من شبكة أكبر بكثير.
أما بالنسبة إلى سكان غزة، فإن الجدل حول التهريب يتجاوز مسألة التجارة غير القانونية إلى سؤال يتعلق بالقدرة على الحصول على أبسط مقومات الحياة. فقد ارتفع سعر المراوح، التي كانت تباع بنحو 100 دولار، إلى نحو 500 دولار، بينما يتساءل سكان عن سبب منع إدخال منتجات ضرورية للتعامل مع ظروف الحرارة القاسية.
وقال أحد سكان غزة إن التجار يبررون عدم إدخال المراوح بأن الجيش الإسرائيلي يصنفها ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج. ويقول سكان إنهم يعيشون في خيام وسط درجات حرارة مرتفعة، ويضطرون إلى استخدام وسائل بدائية لتبريد أطفالهم.
وبذلك، يرسم تحقيق أسوشيتد برس صورة لاقتصاد موازٍ نشأ تحت وطأة القيود والحرب؛ فكلما صعب إدخال سلعة عبر القنوات الرسمية، ازدادت قيمتها في السوق السوداء، واتسعت دائرة المستفيدين من تهريبها، بينما تنتقل تكلفة المخاطر والرشاوى والوسطاء في النهاية إلى المستهلك الفلسطيني الذي يدفع أضعاف الأسعار المعتادة للحصول على سلع أساسية.