
رام الله مكس- لم تعد السيطرة الإسرائيلية على مساحات واسعة من الضفة الغربية المحتلة تحتاج بالضرورة إلى إقامة مستوطنة مكتملة البنية أو ضخ استثمارات كبيرة في وحدات سكنية وشبكات طرق وخدمات.
فقد برز خلال السنوات الأخيرة نمط أكثر سرعة وأقل كلفة، يقوم على إنشاء مزارع وبؤر رعوية في مواقع إستراتيجية، تبدأ أحيانا بخيمة أو غرفة متنقلة (كرفان)، وسياج بدائي، وقطيع من الأغنام أو الأبقار، وعدد محدود جدا من المستوطنين.
بهذه الأدوات يتحول وجود عائلة واحدة أو راع إلى نقطة ارتكاز للسيطرة على مساحة أكبر بكثير من حجم البؤرة نفسها. فالرعي لا يقتصر على الأرض التي تقام عليها المنشآت، بل يمتد إلى مساحات أكبر، بينما تؤدي الاعتداءات على الفلسطينيين ومنع وصولهم إلى أراضيهم ومصادر المياه إلى توسيع نطاق السيطرة الفعلية تدريجيا.
ماذا يفعل السلاح؟
هنا تكمن فكرة خيمة لا تكلف 100 دولار للسيطرة على جبل أو مجموعة جبال، وبالتالي تحقيق أثر جغرافي وسياسي واسع عبر استثمار محدود جدا، بدل المرور بالمسار الطويل والمكلف لإنشاء مستوطنة رسمية.
وتفيد المعطيات الواردة في تقرير منظمة "ييش دين" الحقوقية الإسرائيلية، بعنوان "رعاة في مراعي غيرهم" بأن مزارع المواشي أصبحت أداة لتغيير خريطة الاستيطان وفرض واقع طويل الأمد على الأرض الفلسطينية.
ولا يعتمد الاستيطان الرعوي على الرعي وحده، بل يستند إلى منظومة من الأدوات تشمل الأسلحة والمركبات والكلاب والطائرات المسيّرة، تُستخدم لحماية المواقع الاستيطانية وتقييد حركة الفلسطينيين. وتكتسب الأسلحة أهمية خاصة في هذه المزارع، إذ تمنح قلة من المستوطنين قدرة أكبر على فرض وجودهم في مناطق نائية وتوسيع مجال السيطرة.
وتزامن ذلك مع ارتفاع أعداد حاملي السلاح الشخصي في إسرائيل من نحو 170 ألفا قبل سياسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بتسليح المستوطنين إلى قرابة 300 ألف اليوم، في حين أعلنت وزارته في مارس/آذار 2026 أن أكثر من 240 ألف إسرائيلي، بينهم نحو 70 ألف مستوطن، حازوا رخص سلاح منذ بدء ما سمته "الإصلاح" عقب الحرب الأخيرة على غزة.
وبالتوازي، جرى تعزيز فرق الحراسة المدنية في المستوطنات، المعروفة سابقا بفرق الطوارئ، ومنحها طابعا شبه عسكري عبر التدريب بإشراف الجيش الإسرائيلي وتزويدها بالأسلحة والمعدات، بما وسّع قدرتها على العمل الميداني إلى جانب القوات العسكرية النظامية.

كم كلف تسليحه؟
تختلف قيمة السلاح باختلاف نوعه وتجهيزاته، إذ تقدر صحيفة "يديعوت أحرونوت" سعر البندقية الهجومية الحديثة، مثل تافور أو "إم4" مع ملحقاتها، بنحو 3 آلاف إلى 6 آلاف دولار، في حين تتراوح تقديرات أخرى للأسلحة الإسرائيلية محلية الصنع بين 4 آلاف و5 آلاف شيكل للبندقية (الدولار= 3 شواكل).
وبالمقارنة مع الكلفة المحدودة لإنشاء مزرعة رعوية تبدأ بخيمة أو كرفان وقطيع صغير، يمثل السلاح استثمارا ماليا كبيرا. لكن أهميته لا تكمن في كلفته بقدر أثره ميدانيا، فبحسب منظمة "بتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية، لا تحتاج المزرعة إلى عدد كبير من المسلحين، إذ يمكن لعائلة صغيرة أو بضعة مستوطنين، مدعومين بالسلاح ووسائل المراقبة والحماية، فرض نفوذ على مساحة أوسع بكثير من نطاق وجودهم.
المس بأسس الحياة
قد تبدو مطاردة قطيع من الأغنام أو الأبقار تفصيلا صغيرا في مشهد الصراع على الأرض، لكنها في التجمعات الفلسطينية البدوية والرعوية تمس أساس الحياة الاقتصادية. فالمواشي مصدر دخل رئيسي للسكان هناك، والوصول إلى المراعي والمياه شرط لاستمرار هذا النمط من المعيشة.
لذلك، فإن منع الفلسطينيين من الرعي أو مطاردة المواشي والاعتداء عليها، والتضييق على الوصول إلى الآبار والمراعي، بحسب تقرير منظمة "ييش دين"، لا يستهدف الحيوان بحد ذاته، بل يضغط على قدرة الأسرة الفلسطينية على البقاء في المكان. ومع تقلص مساحات الرعي وتضرر مصدر الدخل، تصبح مغادرة الأرض للفلسطيني خيارا تفرضه الظروف أكثر منه قرارا طوعيا.
والمستوطنون لا يكتفون -بحسب المنظمة- بالسيطرة على المراعي الفلسطينية، بل يتلفون الممتلكات والمحاصيل ومصادر المياه، في إطار الضغط المتواصل على التجمعات الفلسطينية.
كما تختزل مشاهد اقتحامهم للمراعي الفلسطينية جانبا من طبيعة السيطرة على الأرض، فالمسألة لا تتعلق فقط بالوصول إلى قطعة أرض أو مرعى، وإنما بانتقال الاستيطان إلى تفاصيل الحياة اليومية، وصولا إلى المنازل والخصوصية الشخصية.
وتصبح هذه الوقائع أكثر دلالة حين يكون منفذ الاقتحام مستوطنا فتى، لأن وجوده في المكان يضع الفلسطيني أمام معادلة شديدة التعقيد: محاولة منعه قد تتحول سريعا إلى مواجهة مع مجموعة من المستوطنين المسلحين أو مع جيش الاحتلال، وبالتالي يؤدي هذا الترهيب والضغط -بحسب "ييش دين"- إلى تقليص المجال للفلسطينيين ودفعهم تدريجيا إلى التهجير قسرا بعيدا عن أراضيهم.

عائلة واحدة تكفي
يكشف الاستيطان الرعوي عن نموذج للسيطرة لا يعتمد على الكثافة السكانية، بل على قدرة عدد محدود من المستوطنين على فرض نفوذهم في مساحة واسعة. فالمزرعة، وفق تقرير لمنظمة "كيرم نافوت" الحقوقية والمختصة برصد الاستيطان في الضفة الغربية، قد تدار من عائلة شابة أو بضعة مستوطنين محصنين بالسلاح وأدوات تلاحق الفلسطينيين وتمنع وصولهم إلى أرضهم.
وبحسب تقرير في صحيفة "مكور ريشون" الإسرائيلية، تجاوز عدد مزارع الأغنام والماشية الاستيطانية في الضفة 150 مزرعة نهاية عام 2026، مع تركزها في المناطق المفتوحة مثل غور الأردن وجنوب الخليل ووسط الضفة.
كما تكمن قوة نموذج المزارع الرعوية في قدرته على توسيع السيطرة، مستفيدا من البنية التحتية والدعم الحكومي وتخصيص مساحات للرعي.
ومع تكرار النموذج، تتحول المواقع المتفرقة إلى نقاط مترابطة جغرافيا، خصوصا في المناطق المفتوحة بما يتيح التأثير على حركة الفلسطينيين والرعاة بشكل أوسع.
وبحسب "بتسيلم"، يتخذ الدعم الإسرائيلي أشكالا مباشرة وغير مباشرة، تشمل التمويل والمعدات والبنى الأمنية وآليات تخصيص الأراضي والسماح بالرعي، مما يجعل المزرعة جزءا من منظومة إدارية ومالية وأمنية وعسكرية أوسع، وليست مشروعا معزولا عن مؤسسات الدولة.

من المراعي إلى الأرض الزراعية
اتخذت الحكومة الإسرائيلية بين عامي 2023 و2025 خطوات متزامنة شملت تغيير آليات إدارة الضفة، وتوسيع المستوطنات، والاستيلاء على الأراضي، وإضفاء الشرعية بأثر رجعي على بؤر استيطانية، إلى جانب منع وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، بحسب تقرير مشترك لحركة "السلام الآن" و"كيرم نافوت" الإسرائيليتين.
وخلال هذه الفترة، أُنشئت 185 بؤرة استيطانية، بينها نحو 150 بؤرة رعوية أو على قمم التلال، في حين باتت المزارع الرعوية تفرض سيطرة فعلية على أكثر من مليون دونم (الدونم= ألف متر مربع)، أي نحو 18% من مساحة الضفة، وفق التقرير.
كما امتدت السيطرة الاستيطانية من المراعي إلى الأراضي الزراعية الفلسطينية، إذ استولى المستوطنون خلال الفترة نفسها على ما لا يقل عن 11 ألفا و520 دونما من الحقول والبساتين والكروم، عبر منع وصول أصحابها إليها أو تهجير مستخدميها.
كما شقت 223 كيلومترا من الطرق الترابية غير المرخصة، يمر نحو نصفها بأراض فلسطينية خاصة، لتشكل شبكة تربط البؤر والمزارع وتوسع السيطرة عليها، بدعم حكومي واسع، بالتوازي مع فرض مئات الحواجز والإغلاقات على حركة الفلسطينيين. وترافق ذلك مع تهجير 118 تجمعا فلسطينيا بفعل عنف المستوطنين وانتهاكاتهم المختلفة.
وهكذا يتحول الاستيطان الرعوي من وجود محدود إلى أداة لإعادة رسم الخريطة ميدانيا، عبر السيطرة على الأرض وتقييد الوصول إليها وتغيير أنماط استخدامها.





