الجمعة:
2026-09-04

بوفائنا نكرم شهداءنا وأسرانا.. لا ببكائنا..بقلم راغب أبو دياك

نشر بتاريخ: 30 أكتوبر، 2016
بوفائنا نكرم شهداءنا وأسرانا.. لا ببكائنا..بقلم راغب أبو دياك
راغب ابو دياك باحث ومختص في شؤون الأسرى نادي الأسير الفلسطيني

قد تكون الكلمات، وفي بعض الأحيان البكاء والرثاء، وأخذ الصور التذكارية والاعتزاز بها، إحدى مشاعر الصدق الجيّاشة التي نعيشها، وليس المبالغ فيها بعد الرحيل والفراق، سواء أكان أبدياً أم مؤقتاً… وتزداد عواطف المشهد، حينما يتعلق الأمر بفراق الشهداء الأبدي، أو ابتعاد الأسرى القسري عنا لسنوات في السجن، وهؤلاء بفراقهم المؤقت أو الأبدي غالباً ما يكونون قد تركوا خلفهم التزاماتٍ كبيرةً، تتعلق بالأهل والأحبة والزوجة والأبناء والآباء والأمهات والإخوة، وغالباً ما يكون الفراغ الذي تركوه برحيلهم كبيراً، والمسؤولية أكبر، وأشمل وأعمق. وأثناء اللحظات الأولى لفراق هؤلاء الأحبة من الشهداء والأسرى، غالباً ما يرقى الأمر إلى الشعور بالمسؤولية المجتمعية منا كأفراد، ومن هم بموقع المسؤولية بحيث نتقاسم مع ذلك الإرث الذي تركوه من الأقارب، ومن لهم ارتباط عائلي بهم من الدرجة الأولى. الهم والحزن والمسؤولية المشتركة، ومشاعر الفراق الصادقة التي تصبح بتراجع مستمر لحظة بلحظة مع الأيام والسنين، لتصل إلى حد التبخر، وتنتهي تلك المشاعر الجياشة، وكأن شيئاً لم يكن، وتصبح مشاعر هؤلاء الأحبة والذين تركهم الشهداء والأسرى أمانة في أعناقنا تجاهنا كشعب ومؤسسات رسمية وأهلية، وصولاً إلى رأس الهرم التشريعي والتنفيذي، بحيث تصبح تلك المشاعر سلبية، وهذا الشعور بالمناسبة غالباً ما يكون لديه دوافعه وأسبابه، ويكون مبرراً ومحاطاً بالقلق، وعذاب الضمير والشعور بالخذلان والندم، بفقدان من تقع على عاتقهم مسؤوليتهم، ويكون الشعور متمحوراً حول فرضية عدم تحقيق احتياجاتهم، والوقوف على قضاياهم المستقبلية ناتج عن فقدان هؤلاء الشهداء والأسرى الذين لهم صله بهم، وما يجول بخاطرهم وسؤالهم يتمحور.. لو كان من افتقدناهم لا زالوا أحياء لوقفوا عند مسؤولياتهم تجاهنا، وكذلك الأسرى لو لم يشكل السجن حاجزاً لكانوا معنا، وهنا يصبح هؤلاء الأهل والأحبة بحالة من اليأس والندم الشديدين، وهم كمن أفاق من سباته ولسان حالهم يقول: لو عاد من فارقونا قصراً للحظة لأسهموا في تحقيق احتياجاتنا ولعبّروا عن سخطهم، وألمهم وعتبهم تجاه من حمّلوهم أماناتهم، ولعاشوا لحظات من الندم تجاههم، وأمام ذلك المشهد يصبح التساؤل سيد الموقف، حول مبالغتنا بالبكاء والرثاء على فراقهم، وإجادة الخطابة والحديث المتمحور بوصف حال هؤلاء الأكرم منا جميعا… الشهداء، يليهم رفاق دربهم الأسرى، والذين يمثلون طليعة الشعب الفلسطيني كما نصفهم بخطاباتنا ومنابرنا الإعلامية، ،ويصل الحد بالمبالغة في بعض الأحيان إلى أكثر من ذلك بكثير، أم إن تلك المشاعر كان يحيطها أعلى درجات الصدق والشعور بالمسؤولية والتي غالباً ما تتبخر مع الساعات والأيام والسنين. ويندرج هذا المشهد على الأسرى المحررين باللحظات الأولى لاستقبالهم بعد التحرر من السجن ،والذين يعيشوا لحظات الاهتمام التي تتقلص تدريجيا

وهنا لا بد من التأكيد على كرامة الشهداء، وعظمة الأسرى، يليهم من تركوهم أمانة في أعناقنا، ويجب علينا أن لا نتركهم لظروف الحياة وتقلباتها، ونقف عند مسؤوليتنا تجاههم، والذين لا يقلون عنهم مكانة فهؤلاء من قدموا أغلى ما يملكون من الشهداء والأسرى، وهم الذين يقعون في دائرة الضرر الأولى نتيجة حالة الفقد، ووفاؤنا لهؤلاء يمثل القياس الحقيقي لحبنا لفلسطين، والتضحية من أجلها، فهؤلاء هم أهل التضحية والفداء والإيثار، وما يتطلعون له تجاهنا لا يندرج ببعده المادي، بقدر ما يندرج ببعده الروحي والمعنوي، وهؤلاء العظماء قدموا لنا ولفلسطيننا أغلى ما يملكون من شهداء وأسرى على مدار سنيّ الاحتلال، ولشهدائنا وأسرانا دين علينا، يتمثل بوقوفنا عند مسؤولياتنا تجاه من تركوهم بنفس القدر الذي نتعايش به مع من تقع علينا مسؤوليتهم، ممن لديهم بنا صلة الدم والقرابة، هؤلاء بحاجة لأن نتذكرهم في كل زمان ومكان و في المناسبات والأعياد، وأن نتوجه بالسؤال عنهم في كل لحظة، وفي كل صغيرة وكبيرة، فمن اختفوا عنا سيكون رحيلهم إلى الأبد، هؤلاء هم أبناء الوطن إذا تنكر لهم الجميع، فلا يجب علينا أن نسهم في نكراننا لهم، بحيث يعيشوا لحظات المقارنة لو أن من فقدوهم لا زالوا بينهم، لعاشوا الحب والحنان معهم، ولأسهموا في تحقيق احتياجاتهم، لا تتركوهم فريسة للشعور برائحة الموت، وعتمة السجن في كل لحظة، ولا تدعوهم فريسة للزمن، أكدوا لهم في كل لحظة، بأن شعبهم لن ينسى من فقد، فذلك القدر لم يشتروه بإرادتهم، ولم يسعوا للحظة تجاه السمعة والصيت، لا تتركوهم يتمنوا بلسان حال المغلوب على أمره، واليائس لو ان هؤلاء الأبطال ممن فقدوهم لا زالوا بينهم لأصبح حالهم غير ذلك . لا تدعوهم يظنون بأن دماء شهدائهم، وآهات أسراهم ذهبت هباءً، وأن الوطن الذي ضحوا من أجله قد تنكر لهم، فدماؤهم التي يجب ان لا تهون علينا لم تذهب هدراً، وستسألنا عن كل تقصير وتفريط تجاه من تركوا . لا تدعوهم يعتذروا لدماء شهدائهم، وعذابات أسراهم التي هي أغلى علينا بكثير من الدنيا وملذاتها ، ولا تدعوا دموعهم تذرف شوقاً لمن فقدوا ، ولا تدعوهم يبكون حالهم وحال من تركوا، ولا تنشغلوا عنهم في البحث عن رغد عيشكم الكريم دونهم. وختاما سلاما على أجمل من في الشعوب من الشهداء والأسرى ومن تركوا خلفهم .