
رام الله مكس
ما زالت تبعات التشّرُد واللُّجوء التي خلّفها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين منذ عام 1948 تترك أثر الفراق الصعب بين أبناء الأسرة الفلسطينية الواحدة حتى يومنا هذا، وسيتم الحديث في هذا التقرير عن ثلاثة أمثلة لعوائل فلسطينية اكتشفت بأن أبناءها على قيد الحياة بعد عقود من الزمن وكيفية استقبالهم لخبر العثور عليهم، وما هذه الحالات إلا مجرد أمثلة على مئات من الأُسر المفقودة، وربما الآلاف.
ففي الأمس قبل عدة أيام تمكنت أسرة فلسطينية من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة من العثور على أحد أبنائها الذي تم فقدانه قبل 40 عاماً على إثر الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967، حيث ظنت العائلة بأن ابنها قد توفي في الأراضي الأردنية عندما نزح من غزة إلى مصر ثم إلى الأردن، حيث وصل لهم أخبار فراقه للحياة قتيلاً بعد 20 عاماً من البحث عنه عام 1988.
وكانت العائلة طيلة هذه السنوات على اعتقاد بأن ابنها قد قُتل في مدينة الأرشيف على الحدود العراقية الأردنية برصاص الجيش العراقي إثر عمليات تهريب بين البلدين، ولكنها تفاجأت عندما شاهدت حلقة على اليوتيوب لبرنامج تقدمه الفنانة الأردنية (زين كرزون)، حيث كانت الحلقة تتحدث عن حياة رجل فقير ومشرد لا مأوى له ولا ذُريّة، ويعيش في جبل عمّان.
تحققت العائلة من شكل هذا الرجل عن طريق إخوته، والذين طلبوا من السفارة الفلسطينية بالأردن التحقق من الأمر أيضاً، حيث جاء الرد بُشرى لهم بأن المفقود هو (كمال) أحد أبناء عائلة أبو عبدو، وأن السفارة قد اتخذت كافة الإجراءات والتجهيزات لمنح هذا الرجل جواز سفر فلسطيني وتأشيرة دخول للأراضي المصرية تمهيداً لترحيله لغزة حيث مسقط رأسه وسكن أسرته كما يوضح ابن أخيه إسماعيل أبو عبدو.
أما الحاج (عبد الفتوح أبو ستو) والذي تم العثور عليه مؤخراً في الهند بعد فقدانه لمدة 23 عاماً، حيث تم التحقق منه بأنه فلسطيني الجنسية بعد جهود طويلة بين كل السفارة الفلسطينية بالهند والأمن الهندي ومنظمة (هيومان رايتش) لحقوق الإنسان.
وكان (أبو ستو) قد تم فقدانه عقب اعتقاله من قبل السلطات الهندية على خلفيات جنائية كونه أدار منظمة إرهابية، ليتم الحكم عليه بالسجن 18 عاماً، إلا أنه ظل في السجن 23 عاماً من أصل 18 عاماً لصعوبة معرفة أصله وفصله، متنقلاً من سجن إلى آخر، وكان آخرها سجن كلكتا بمدينة البنغال.
ويجدر بالذكر، أن قضية (أبو ستو) كانت من أصعب قضايا العثور عليه والتحقق من هويته، كونه فقد قليلاً من ذاكرته، بما فيها نسيان اسمه وموطنه، ناهيك عن ضياع اللغة العربية من قاموسه، حيث لم تستطع السلطات الهندية معرفة أصله وفصله، إلى أن تم التواصل مع كافة السفارات في الهند مروراً بالسفارة الفلسطينية التي استطاعت التحقق من هويته ومعرفة أهله في غزة، لتبدأ باتخاذ الترتيبات والتجهيزات لترحيله لمصر متجهاً إلى قطاع غزة.
وفيما يخص العوائل الفلسطينية في الشتات، تعالت أصوات الزغاريد المصحوبة بالمفرقعات النارية والأغاني الوطنية بمخيم عين الحلوة بلبنان، وذلك بعد تمكن أسرة فلسطينية من العثور على السيد (ديب النجار) بعد نزوحه من سوريا بسبب الأوضاع المتوترة هناك، متجهاً إلى لبنان، حيث فُقد هذا الرجل خلال أحداث مخيم (تل الزعتر) بلبنان واعتقاله من قبل السلطات السورية عام 1976، حيث عادت أسرته إلى حضنه الدافئ بعد فراق أكثر من ثلاثين عاماً.
وأوضحت ابنته (أمل النجار) بأن والدها افتقدته عام 1976 بعد لجوئه إلى سوريا هرباً من المجازر التي نفذتها قوات (بيار الجميل) المارونية بحق الفلسطينيين بتل الزعتر، حيث اعتقلته القوات السورية حينذاك وتم الإفراج عنه عام 1981 ليعود مجدداً إلى لبنان، لتبدأ بعدها الحرب السادسة للاحتلال الإسرائيلي (اجتياح بيروت1982)، حيث فقدت أسرتها والدها مجدداً عقب مجزرة صبرا وشاتيلا، وظنوا بأنه تم إعدامه غرقاً في آبار المجاري مثلما تم إعدام مئات الفلسطينيين بذلك اليوم، ولكنها لم تعرف أنه هرب مجدداً إلى سوريا ليقيم هناك كمواطن.
وقامت السلطات السورية باعتقال النجار مجدداً مع رفاقه الذين هربوا معه إلى سوريا، ليتم سجنه مرة أخرى مدة تسع سنوات قبل أن يتم الإفراج عنه بعام 1991، ليعيش وحيداً في المخيمات الفلسطينية بسوريا قبل أن يعود لأسرته بساق واحدة، حيث تم بتر ساقه اليمنى بعد إخضاعها لعملية جراحية قبل اعتقاله، بسبب إطلاق المليشيات المارونية وابلاً من الرصاص عليها جعلته تنزف طيلة 10 ساعات، حيث انتشله أحد رفاقه بالقتال حينها من مكان الإصابة ليذهب به إلى سوريا عبر عربات الغاز.
ومن المدهش أن النجار كان يظن طيلة هذه السنوات بأن جميع أسرته قد أُبيدوا خلال المجزرة أيضاً، لتعود إليه الحياة مجدداً بعدما شاهد ثلاثة من أبنائه ما زالوا على قيد الحياة من أصل خمسة، حيث قُتل له ولدان خلال المجزرة بالإضافة إلى زوجته كما توضح ابنته أمل.
وتعد قضية الأُسر المفقودة في لبنان الأكثر تعقيداً، فأغلبهم لا يُعرف مصيرهم حتى الآن، فلا يمكن الحكم عليهم بأنهم أموات ام أحياء، وخاصة مفقودي أحداث مجزرة صبرا وشاتيلا التي نفذتها المليشيات المارونية اللبنانية، وأحداث معركة الدفاع عن القرار الفلسطيني المستقل بطرابلس عام 1983، بين حركة فتح وفصائل النظام السوري، فبمجرد بدء الأحداث المأساوية تم فقدان أعداد كبيرة من الفلسطينيين، فلا هم معروفون إن تم اعتقالهم، ولا هم معروفون إن تم اغتيالهم واحتجاز جثامينهم.
المصدر : دنيا الوطن – أمجد عرفات





