
رام الله مكس
على كرسيّه المُتحرّك كان يجلس الشاب عماد ورني (27 عاما) في الصفوف الأولى بين جمهور الفنان الأردني عمر العبد اللات على مدرّج مسرح مدينة روابي، يردّد أغانيه دون أن تفارق الابتسامة وجهه، وهو يقول:” الحياة حلوة.. مين ما بحب الحياة”.
قبل 17 عاماً وتحديداً خلال أحداث الانتفاضة الثانية، سرقت قوات الاحتلال الإسرائيلي من عماد طفولته ومعها قدرته على المشي، فبينما كان عائداً من مدرسته وهو يستقل درّاجته في بلدة العيزرية شرق مدينة القدس، دهسه جيب عسكري، فسقط من عُلوّ تلّة إلى الوادي، ليستيقظ في المستشفى- بعد ثلاثة أيام- مشلولاً.
من طفل في العاشرة من عمره، همّه الأكبر أن ينهي واجباته المدرسية باكراً ليكسب وقتاً أكبر باللعب مع أصدقائه.. يركض وراء الكرة ويتسابق واياهم وهم يركبون دراجاتهم، يقول الاول للثاني “أنا سأصل أولاً”.. ويصلُ عماد.. إلى طفلٍ قرّر أن يعزلَ نفسه عن العالم بعد أن سلب الاحتلال منه القدرة على المشي.
“كنت أشعر أن لديّ شيئا ناقصاً، لست مثل البقية، ولم أستطع في البداية تقبّل أني لن أعود قادراً على المشي، حاولت أن أتقبّل الأمر، لكنّي لم أستطع”. يقول عماد.
ويضيف عماد: واصلت الدراسة لعامين، ثُمّ عزلت نفسي عن العالم المحيط بي، وقبل ما يزيد عن العام، قرّرت أن أعود للحياة.
وهكذا خرج من عُزلته، وهو يُردّد “نحن نستحقّ الحياة”.
عماد وعائلته.. في الصفوف الأولى على مُدرّج روابي
“قبل أسابيع وجدتُ الإعلانات عن حفل الفنان الأردني عمر العبداللات تملأ صفحات الـ “فيسبوك”، تمنّيت أن أحضر الحفل وآخذ عائلتي معي، فأرسلت رسالة إلى صفحة مؤسس مدينة روابي بشار المصري، أطلب منه أن يساعدني على الحضور”. يقول عماد.
ويضيف:” كُنت أقول في نفسي جرّب حظّك.. لكن لماذا سيردّ على رسالتي السيد المصري دوناً عن كل الرسائل التي تصله يومياً! وبعد أقل من ساعتين جاءني اتصال من روابي، يؤكد أنهم استلموا الرسالة، ويشكرون رغبتي بالقدوم واصطحاب عائلتي والجلوس في المكان الذي نختاره”.
حضر عماد برفقة 6 أفراد من عائلته إلى مدرّج مدينة روابي، شارك الجمهور من مختلف المناطق الفلسطينية تفاعلهم مع الفنان العبد اللات، متحدّياً محاولة الاحتلال سلب حياته.
“في البداية قال الأطباء من المُمكن أن لا يعيش عماد، لكنّه الآن بيننا حتى لو فقد قدرته على المشي.. استمتعنا بالحفل لكنّ فرحتي الأكبر كانت برؤيتي لابني مبتسماً دون أن يفكر باعاقته”. تقول منى ورني والدة عماد.
وأضافت السيدة ورني:” عندما قال الفنان عمر العبد اللات أن الأردن وفلسطين شعب واحد، نظرت إلى الجمهور ووجدتهم يهتفون، وهتفت معهم، شعرت كأن الحدود بيننا أزيلت”.
وطالب عماد بالمزيد من الأمسيات في مدرج روابي، معتبراً” أن النجاح الحقيقي للحفل هو إصرار هذا العدد الهائل من الفلسطينيين من مختلف المناطق، لحضور الحفل”.
وتابع: على الرغم من الحواجز والعراقيل التي يضعها الاحتلال أمامنا ليضيّق الخناق علينا.. إلا أن الجمهور الفلسطيني الذي ملأ مدرج روابي، يريد أن يوصل رسالته للاحتلال، أنّنا شعب يُحب الحياة ويستحق الفرح ولن تمنعه انتهاكاته عن ممارسة حقه فيهما.





