
جنين- رام الله مكس-مصعب زيود
لا زال المؤذن علي صالح اسعد حسين ” أشهر واقدم المؤذنين في محافظة جنين وذلك حسب ما أفاد الأستاذ المؤرخ مخلص محجوب الحاج حسن السعيد في كتابه جنين ماض وحاضر ” يتذكر جيداً التفاصيل الصغيرة لبدايات تطوعه في رفع الأذان من فوق مئذنة مسجد جنين الكبير عام 1952. يومها كان يصعد ستا وثمانين درجة ليصل إلى أعلى المئذنة ويصدح بصوته خمس مرات للصلاة.
يقول: في شهر تموز عام 1955، عُينت رسمياً في وزارة الأوقاف مؤذناً من قبل قاضي القضاة الشيخ محمد الشنقيطي ، فرفعت رسمياً أذان الظهر، واستمريت في الصعود إلى أعلى قمة المئذنة ثلاث سنوات، إلى أن أحضروا لنا جهازًا كهربائياً لأول مرة، وقالوا لنا أنه يُكبر الصوت ويوصله إلى أبعد مدى، فأصبتُ بالدهشة.
ولد أبو ماهر في بلدة زرعين عام 1929، وتعلم حتى الصف الرابع الابتدائي، وجالس شيوخ قريته، وبدأ يتنافس وبعض رفاقه لاكتشاف صاحب الحنجرة الأفضل في قراءة القرآن ورفع الأذان في بلدته المدمرة.
يضيف: هاجرت وعائلتي إلى جنين بعد النكبة، وفي شبابي عملت موظفاً في محل تجاري، قبل أن أتعين رسميًا في المسجد الذي بنته فاطمة خاتون عام 1566.
كان الراتب الأول الذي حصل عليه أبو ماهر ثلاثة دنانير، وكان يضيف إلى دخله من أعمال التجارة مبلغاً مماثلاً، واستمر الحال على ما هو عليه حتى عام 1967، حينما صار يتقاضى تسعة دنانير بالتمام والكمال، إلى أن وصل دخله 285 ديناراً.
ويتذكر: كانت الدنانير في الماضي “تتكلم”، فمثلاً كان مهر العروس أقل من خمسين ديناراً، ودونم الأرض أقل من عشرة دنانير.
وكنت أرفع أذان الظهر وأذهب إلى نابلس لمزاولة العمل، وأعود لرفع أذان العصر، أو ينوب عني زميلي في حالات استثنائية.
وكان صوتي مرتفعاً، لدرجة أن الفلاحين في مرج ابن عامر ومنطقة خروبة كانوا يوقتون انتهاء عملهم في الحصاد بسماع أذان الظهر، فيما يبدأ العاملون في السقاية والري نهارهم حينما يسمعون أذان الفجر.
استطاع أبو ماهر أن يؤسس طبقة صوتية خاصة به، فلم يغيرها ولم يعمد إلى تقليد ما يسمعه من مؤذنين كبار انتشروا في الفترات الماضية كالشيخ عبد الباسط والمنشاوي، لكن من اعتاد على سماعه كان يقول له :”صوتك يشبه إلى حد كبير نبرة الشيح الراحل الطبلاوي.”
يتابع: تغير أئمة المسجد كثيراً، وبقيت أنا، فعملت مع المفتى الشيخ أديب الخالدي، والشيخ محمد خير، والشيخ محمود البول، والمفتى توفيق جرار رحمهم الله، والشيخ عمر غانم.
مثلما رحل المؤذنون القدامى كالشيخ شحادة والشيخ حسن. وحرصت على تناول الشاي والزنجبيل والميرمية والنعناع، ولم أصب بالبحة إلا في حالات نادرة جداً، كانت ترافقني مع الزكام.
أمضى الشيخ علي قرابة عشرين عاماً، وهو يرفع التسابيح بصوته قبل أن يحين الموعد الشرعي للأذان، إلى أن أدخلت المسجلات والكاسيتات بدءا من العام 1975.
ويتذكر: أحضرت لنا سيدة من عائلة أرشيد عشرين أسطوانة أحضرتها من مصر، واستخدمناها لفترة طويلة، حتى انتهى موديلها.
ويمتد أذاني بين ثلاث وخمس دقائق، ورفعت أيضاً الأذان في عمان وإربد والسعودية وبعض بلدات جنين، لكنني قديماً كنت استطيع أن أمد العبارات أكثر من اليوم. يحن الشيخ علي إلى أيام زمان، قبل أن تتدخل التكنولوجيا في كل شيء.
يقول: في عام 1995 ارتبطت مساجد جنين كلها بشبكة الأذان الموحد، ولم أتوقف عن رفع الأذان، حتى خلال أيام منع التجول في الانتفاضة الأولى والاجتياحات الإسرائيلية في الانتفاضة الثانية، إلا أنني تعرضت للخطر خلال عام 2002، عندما كنت أتنقل بين الدبابات والجنود ومنع التجول.
تقاسّم أبو ماهر أوقات الأذان الستة مع زميله، فاختار أذان الفجر الأول والظهر والعصر.
ولا يسهر كثيراً، ويسرع إلى النوم باكراً كل ليلة، وبخاصة في أيام الصيف، إذ تنتهي صلاة العشاء في حدود التاسعة مساء، وعليه أن يعود لرفع أذان الفجر الأول حوالي الثانية، ولهذا فالساعة المنبه ترافقه دائماً.
تزوج الشيخ علي عام 1955، وهو أب لخمسة أولاد وأربع بنات، ولده الأكبر مهندس كيميائي، وأبناؤه مازن وخالد وأسامة ومحمد يحملون درجة الماجستير في الاقتصاد وإدارة الأعمال.
وتقاعد عام 2005، لكنه استمر في التطوع ، فيحرص كل يوم جمعة على رفع أذان الفجر الأول، وتساعده سيارة على الوصول من بيته البعيد نسبياً، بفعل أوجاع ركبتيه. ويأتي في أوقات كثيرة ليصدح بصوته في أرجاء المدينة، وبخاصة وقت الظهر.
يسترد أيام رمضان العتيقة، يوم كان الشبان ينتظرون صعوده إلى أعلى المئذنة، أو إشعال إنارتها، لتناول إفطارهم، ولا يغفل عن ذكر مواسم الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، ومناسبة الإسراء والمعراج، عندما كان ينشد بصوته ويقرأ التسابيح، ويتحلق حوله الأطفال، وتُوزع الحلوى عليهم.
لم يغب أبو ماهر عن مهنته، سوى للسفر لأداء فريضة الحج والعمرة لمرتين، واحدة عنه والأخرى عن روح والده، ولم يسرف في استنفاد إجازاته السنوية. يقول المؤذن الشيخ هلال السبع، الذي بدأ يشارك أبو ماهر رفع الأذان منذ ثلاث وثلاثين سنة: عندما أشاهد الشيخ علي، أرجع إلى الخلف، لأنه صاحب خبرة طويلة، ولا يمكن أن أرفع الأذان وهو موجود.
وأنا من مواليد عام 1958، وبدأت الأذان حينما كان عمري سبعة عشر عاماً، وتعلمت أيضاً مهنة تصليح الساعات، وشاهدت أبا ماهر وأنا طفل، وتمنيت أن أكون مثله، فهو بعد تقاعده يظل “شيخ المؤذنين”.





