الجمعة:
2026-09-04

صَخْرْ .. فِي زَمنِ كٌوروٌنا ..

نشر بتاريخ: 09 إبريل، 2020
صَخْرْ .. فِي زَمنِ كٌوروٌنا ..

رام الله مكس- بقلم الكاتب: محمد صابر جرادات

بالأمس ِأفرجِ الإحتلالٌ الإسرائيليٌ عن شابِ فَلسطينيٍ قَضى ما يَقرب مِن ثَمانِيةَ عَشَر عاماً من عمره في مٌعتقلاتِه؛ وَليسَ صٌدفة فإسمِهٌ صَخْرْ ؛ صَدِقوني لَيسَ صُدفَة !..

صَخْرْ خَرَجَ مِن مَحبَسِه على غَير مَا إعَتادَه مَن سَبَقوه ؛ هَواءٌ السِجنِ الذِي تَكسدّت بِه الرِئَه فِي الأعوامِ الطَويلهِ كانَ مَن سَبقَوه يفرِغَونَه بَعد أولِ خٌطوةِ مِن اّخرِبابٍ حَديديّ لِبواباتِ الحاجزِ الًعسكرّي الذَي أُخرٍجَ مِنه ، يَلفِظونٌه.. كَمَن يَضَعٌ كَامِل أصابِعَه في فَمِه ليُخرج سما استقر في معدته ..هكذا فعل اسلافه دائما، فيما صخر في زمن كورونا .. لم يفعل.. !! بل خرج واضعا كمامة تُكمُّ ما في جَوفِهِ وَتَمنَعُه مِن تَحقيقِ أمنيةٍ يَحلًم بها الأسير.. أن يَصبِحَ جَوفه سماءاً واأأرضاَ .. وأن يَصبِحَ ما بَينَهما مِن هواءٍ وَغيمِ وشمسٍ وقمرٍ وعصافيرَ داخِل هذا التّقعر المُحدَب .. هَذِه هيَ الحٌريّة.. هَكذا يَعرِّفونَها ..ولكِن مع كٌورونا .. ذَلك الخَبيثُ .. كإلاحتلالِ تَماماَ يَمنَعه مِن تَحقيقِ الأمنِيات ..

صَخرْ.. العائِد من محبسه، الذي نادم ظِلّه فبهِ طَويلاً ،تَجوَل فِيهِ فِي التّاريخِ وَتنَزهَ في الذّاكِرة..كأسلافِه كانَ يٌزهر كلَما داعَبهُ شوقَ لأحبّتِه ..وكانَ دُعاءه قبل النّوم أن يتسِع ما بَين ذِراعيهِ ليَجمعَ بينَهما الأحبة .. ليسوا واحداَ ولا عشرةَ ولا مئةَ .. الآلاف مِمَن أحبّوه .. أن يَجمَعَهم مرة واحدَ .. أن يَبكي على صُدِورهم شوقاَ ..وَأن يبكوا بينَ ذِراعيهِ فرحاّ .. ولكِنَها الكٌورونا .. كالإحتلالِ تماماً .. تَمنعه للسنِة التاسعةِ عشرةَ من أن يَجمع كلّ تلك القلوب بينَ طرفيّ ذِراعيِه ..

صَخْرْ.. الذّي إكتَفى بِرؤيةِ الوَطن.. الوطنِ بِكلِ مكوناتِه.. الشّجرة .. التُراب.. الأحجار ..الزَعتر .. قُطعان الماشية..الطَريق..الجَبال .. اللّوز الأخضَر.. تَجمٌع مياهِ المَطر في الأرض الَحمراء.. رائِحةُ الخٌبز … رائِحةُ الحَطبِ المحتَرق .. وبَقعةُ دَمٍ لَشهيدِ لا يَعرِفه . .. هذا هًو الوَطن .. الذي عانَقَه مَن سَبقوه ذرّة..ذرّة.. فِيما صًخْرْ في زِمنِ كٌورٌونا .. يَكتَفي بِالنّظرِ مِن النّافذةِ .. يَراهّ مِن بَعيد وَيحُلم أن َيربتَ على حُزنِه غٌصنٌ شَجَرة .. أو تطمئِنَهَ رائِحةٌ الزّعَتر إنّهُ لَيسَ حُلماَ .. أنتَ هُنا ياّ صَخْر ..

فِي الَمشهَد الأخيرِ .. وَصلَ صَخْرْ إلى بَيتِه .. الأحبة كَلهٌم هَنا .. وَلكِنه يَبحثَ عًنها .. لَم يُعانِق أحداً.. لَم يُقبِل أحداَ .. لَم يَجمَع القُلوبَ بين َذِراعَيه كَما تَمنى طواّلَ هَذه السَنوات.. وَلِكنها حالةِ إستِثنائِيةٌ تمَاماَ.. ‘نها أمّهٌ ..جَبلُ مِنَ الصَخْرْ تَحمّلت فٌراقاَ طَويلاَ كَهذا .. هِي أيضاَ أتعَبَها غِيابٌك خَلفَ الأسلاكِ والأبوابِ الحَديديِة يا صَخْرْ .. كَيف لَك أن تُؤَجِل حٌلَمينِ مَعاَ ؟!!أيّ قٌوةِ فِي الكَونِ قادرةٌ على أن تَمنَعكَ الأّن أن تُهرولَ وَتلقي بِنفسِك كَغيمةِ مُلبدةٍ ..فَتٌصبِح َمطراً بَينَ ذِراعيْها!؟

صَخْرْ .. التعليمات وَاضحة .. لا أحضانَ ..لا قٌبَلَ ..والحِفاظٌ على مسافةِ مترٍ على الأَقَل ..ما بَين إحتلالِ شقّ قَلبين ثَمانيَةَ عَشرَ عاماَ.. وَكٌوروٌنا التّي تٌحاوِل أن تَؤًجِل عِناقَ القُلوب .. ألقى صَخْرْ بِكاملِ شَوقِه ..بِكاملِ حَاجِتِه .. بِكاملِ جَسدهِ .. بَينَ ذِراعيها .. وَبكى .. وأفرَغ َجوَفَهٌ مِما عَلقَ فيهِ مِن هواءِ المُعتَقل .. وَمُحققاً حٌلماً طالَ كَثيراً .. لَم تَمنَعًه كُوروُنا وَلا سَجانُّوه مِن تَحقيقهِ أو تأجيلهِ أطولَ مِن ذَلِك ..