
رام الله مكس – كتب الزملاء في وطن للانباء :
في ذكرى يوم الارض التي تواصل اسرائيل سرقتها من شمال فلسطين الى جنوبها، وفي ذكرى شهداءها الذين رووا بدمائهم ارض فلسطين المحتلة عام 1948، وشهداء لا زالوا في ثلاجات الصقيع، تحرم اسرائيل ذويهم من نظرة اخيرة وقبلة الوداع، وتعاقب اجسادهم بالبرد وتحرمهم من دفء الارض وحضنها، كان بعض الفلسطينيين يغضون النظر عن كل ذلك ويقدمون العزاء ويبدون الحزن ويتجرعون المرارة على مقتل ضابط في جيش الاحتلال.
وفي الوقت الذي احيا فيه الفلسطينييون في كل مكان ذكرى يوم الارض، تجرعوا هزيمة مريرة وهم يتداولون خبرا عن قيام وفد فلسطيني رسمي بتقديم “العزاء ” في ضابط اسرائيلي في جيش الاحتلال من قرية جولس في شمال فلسطين المحتلة.
ضابط كان ولاءه طيلة حياته لجيش الاحتلال، على صدره اوسمة ما حصل عليها الا بقمع شعبنا واضطهاده وقتله، وعلى كتفيه رتب تزداد طرديا مع حجم الاجرام والقتل الذي مارسه طيلة سنوات، يداه لطالما حملت بندقية فوهتها مصوبة باتجاه واحد لا غير هي صدور الاطفال والشباب الفلسطينيين.
واذا كنا نجهل عدد الشهداء الذين استشهدوا على يديه، تبقى الحقيقة الوحيدة ان دماء الفلسطينيين لا تزال تسيل من بين يديه ساخنة ول متتوقف.
اسرائيل لم تخف غبطتها من الوفد الفلسطيني، كيف لا وهي ترى ان الجلاد الذي قتل ما قتل وشرد ما شرد يحظى بعزاء الضحية، وان جنودها وضباطها بدلا من ان يلاحقوا تغدق عليهم صفات الانسانية والطيبة والصدق، ويحظى بالدعوات من ضحيتهم.
الى اي قاع وصلنا كفلسطينين؟ قبل يومين كانت ذكرى استشهاد وديع حداد ابن صفد البار، الذي اسقطنا ذكراه ومقولته “وراء العدو في كل مكان” فاصبحت الملاحقة الفدائية، زيارات وصداقات، وتقديم العزاء والمشاركة بالافراح، وبعد اسبوعين ستحل ذكرى استشهاد خليل الوزير ابو جهاد الذي اغتيل امام عائلته في المنافي فكيف نسينا وصيته الاهم ” رأسنا سيبقى في السماء ، و أقدامنا مغروسة في تراب وطننا ، جماجمنا نُعَبِدُ بها طريق النصر والعودة الأكيدة، البوصلة لن تخطئ الطريق، ستظل تشير الى فلسطين”، فكم اخطأنا الطريق الى فلسطين وكيف انحرفت البوصلة؟
عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية غسان الشكعة الذي كان احد اعضاء الوفد الذي ترأسه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح محمد المدني، قال في تصريحات له عقب “العزاء” الذي شارك به جنود وضباط من جيش الاحتلال بزيهم العسكري، وتواجدوا في قاعة واحدة “انه جاء كمواطن، عرفت المرحوم معرفة شخصية، وعرفت عنه الاحترام والخلق، وفقدانه خسارة للانسانية والعلاقة والصداقة، وهو كسب احترام الاخرين، ونأمل ان تستمر عائلته وتكمل المشوار الذي سار عليه”.
ويبدو ان هذه الكلمات لها ما وراءها، حيث قال احد المتحدثين خلال العزاء ان الضابط المقتول كان ضيفا في منزل الشكعة قبل يومين على مائدة الغداء في مدينة نابلس. فاي مستوى وصلت اليه منظمة التحرير؟ هل هذه منظمة ابو عمار وابو اياد والحكيم، هل هذه منظمة فلسطين من البحر الى النهر، وفوهة البندقية هي الطريق؟ هنا لا حاجة لنا لاسترجاع قصيدة امل دنقل التي قال فيها “كيف تنظر في يد من صافحوك.. فلا تبصر الدم.. في كل كف؟”، هنا لدينا والد الشهيد بهاء عليان المحتجز جثمانه منذ 6 أشهر في ثلاجات الاحتلال وهو يكتب “وانتم تعدون الخطابات لـ”احتفالات “يوم الارض، لو تتذكرون، او تذكرون، ان الارض تحن لابنائها، وقد يقتلها الحنين !!” فربما لم يعلم ان بعضهم تعدى الخطابات وابدى حزنه على ضابط قاتل.
هنا، وجب استحضار وجه الجميلة دلال المغربي التي لم يكتف القاتل ايهود باراك بتصفيتها وانما تعمد التمثيل بها.
وهنا صرخة والد الشهيد حسن مناصرة لا تزال تملأ الافق وتقرع خزان الانسانية حين لم يتعرف على ملامح نجله بسبب الجليد الذي يغطيه، والذي حرمه من قبلة اخيرة على جبينه.
هنا، في حضرة الارض الام التي دوما يوجد بها متسعا لشهيد اخر، والشهداء المحرومين من دفء ترابها، والمهجرين في غربة المنافي .. نقول كم من عزاء لكل هؤلاء ؟ وكم كان من حفظ للعهد والوصية؟ واي جريمة نقترفها بايدينا وبعضنا يقدم العزاء لضابط في جيش الاحتلال، بعد ان قُم له الغداء وسط نابلس كضيف عزيز، ضابط اقسم انه اثخن فينا قتلا.
ونسينا ذوي الشهداء المتعبين على ارصفة الانتظار، في بقابا الارض التي تبقت لنا … والتي خلدها ابن نابلس البار ابراهيم طوقان حين قال في يدينا بقية من بلاد ، فاستريحوا كي لا تضيع البقية، وكانه رأى يوما حلما ان عزاء ومن قبله غداء في وسط نابلس سيكون في ذكرى الارض .. شي من الخجل ام أنكم ما عدتم تخجلون.!!!





