
جنين-رام الله مكس- متابعة مصعب زيود
صور المجزرة الإسرائيلية المروعة في مخيم جنين، ما زالت تطرق الذاكرة بقوة وصوت الألم الذي اختتم فيه العشرات من أبناء المخيم حياتهم بعد طعنة سكين من جندي صهيوني أو نتيجة إصابة برصاصة قناص أو انهيار المنزل فوق رأسه في قصف مدفعي أو جوي، ذاك الصوت ما زال صداه يتردد في أرجاء المكان.. كان ذلك في شهر أبريل من العام 2002.. وكان الفلسطينيون، كما هم دائماً، الضحية، وكان السفاح، كما هو دائماً أيضاً، جنود الاحتلال الإسرائيلي. عندما كان يتنقل الإنسان بين جثامين الشهداء وحطام المنازل بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المخيم، كان تحضره أيام النكبة الفلسطينية في العام 1948.. اختلف المكان والزمان، ولكن، حافظت الضحية كما حافظ الجلاد كل على هويته. ستبقى ذكرى هذه المجزرة الأليمة حية في ذاكرة الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي، وستبقى صور وحشية العدوان الصهيوني وصمة عار على جبين المجتمع الدولي، الذي أتقن لعب دور النعامة التي تغرس رأسها في الرمال.
العملية الإرهابية الإسرائيلية والتدمير الممنهج ذكرت التقارير أن 30 بالمائة من منازل المخيم خلال المجزرة قد دمرت تماماً وسويت بالأرض وأن 40 بالمائة منها لم تعد صالحة للسكن، مما يؤكد أن العملية الإرهابية الصهيونية نفذت وفق خطة مبرمجه، علماً بأن عدد الوحدات السكنية قبل اجتياح المخيم كان يتجاوز الـ 3000 وحدة يقطنها أكثر من 13 ألف لاجىء فلسطيني. مصادر محلية أوضحت أن كافة المؤسسات الفلسطينية والدولية لم تستطع تحديد الأرقام النهائية حول أعداد الشهداء سواء في مدينة جنين أو المخيم ورغم إفادات وشهادات فلسطينية وجهات دولية زارت المخيم بعد المجزرة أكدت سقوط العشرات من الشهداء وإصابة مئات آخرين.
شهود على الإرهاب الأسرائيلي المواطن محمود حسين من مخيم جنين وصف أحداث المخيم بالنكبة الجديدة والتي نفذت على مرأى ومسمع العالم، ويقول: “إن الجرافات والدبابات الصهيونية دمرت جميع ممتلكاتنا، فالجيش الصهيوني الذي يقال أنه يمثل دولة ديمقراطية نفذ بحقنا جميع صنوف القتل والتدمير، ومارس جميع أشكال الإرهاب.. حتى الصلاة منعنا الجنود من تأديتها، فمنذ بداية الهجوم قطعوا عنا الماء والكهرباء، وقصفوا منازلنا وعزلونا عن العالم”.. عمار أحد المسنين في المخيم والذي عايش المجزرة يوضح أن جنود الاحتلال اقتحموا منزله واقتادوه مع الأطفال والنساء لغرفة صغيرة واحتجزوهم لأسبوع دون طعام وماء، ويقول: “كلما حاولنا طلب الماء وحليب للأطفال، كانوا ينكلون بنا ويوجهون لنا الشتائم النابية.. كانت عيونهم تنبض حقدا وكراهية ورغبة في القتل، وقد اعتقلوا جميع الشبان واجبروهم على خلع ملابسهم أمام النساء، ولم يتوقف القصف لحظة واحدة وفي كل ثانية كنا نتوقع الموت.
أنقاض المنزل ويضيف: “بدأت أبحث عن عائلتي بعد أن رفع حظر التجول، فأمضيت عدة أيام لا أعلم شيئاً عن مصير أسرتي، فالكثيرون عادوا للمخيم إلا هم، وعندما وجدتهم كنت في حالة يرثى لها، وبرغم سعادتي فإن الواقع الجديد جعلنا أكثر حزنا فقد أصبحنا بلا مأوى.. فالاحتلال هدم منزلنا، وكذلك محلي التجاري، وهكذا أصبحنا مشردين مرة ثانية، وفقدنا كل شيء.. فقد دفنت ممتلكاتنا تحت الأنقاض وبلمح البصر ضاع كل شئ فطوال 50 عاماً عملت على بناء منزل متواضع لم يبق منه بفعل التدمير الصهيوني سوى الأنقاض.
صور مروعة كانت أبشع صور الدمار والمجازر في جنين هو ما وثقه د.محمد أبو غالي مدير مستشفى جنين وما قاله من أن الفرق الطبية التي عملت داخل مخيم جنين عثرت بعد فترة على جثمان الشاب جميل الصباغ بعد أن قامت الدبابات الصهيونية بفرمه بجنازيرها والصعود على جسده عدة مرات. ولم تستطع كلمات أبو غالي أن يصف المشهد المؤلم، وترك كلمات فارغة لعل الذهن البشري يستطيع أن يعبئ ذلك الفراغ، ولكن أنى له ذلك؟ وفي إحدى عمليات الإعدام الجماعي التي ارتكبتها قوات الاحتلال.. نجح مراقبون دوليون من منظمة العفو الدولية في توثيق قيام جنود صهاينة بمحاصرة أحد المباني ومطالبة سكانه بالاستسلام، وعندما خرج من المبنى خمسة أشخاص عزل، تم اقتيادهم وإطلاق النار عليهم واستشهدوا على الفور..
جراح الأم الثكلى لملمت رفيدة الدمج الجريحة الأولى في مجزرة مخيم جنين جراحها وأمسكت عكازها متوجهة نحو جمع النساء اللواتي اجتمعن في حفل رمزي لتكريم نخبة ممن كان لهن دوراً بارزاً في العمل الاجتماعي والثقافي والنضالي، الفضول دفع البعض للاعتقاد بأن الأمر يتعلق بكلمة شكر وثناء أو أنها تود إلقاء شعر أو نثر، ولكنها قالت ما هو أكثر تأثيرا، فبصعوبة كبيرة تمكنت من الوقوف والاتكاء على قدم ممسكة بيد عكاز وبيدها الأخرى درعاً قدم لها وفاء وإجلالا لصمودها بوجه الاحتلال وتحملها آلام الإصابة التي تعرضت لها في أحداث اجتياح مخيم جنين، مما تسبب بتحويلها لنصف معاق نجم عن الشلل الذي أصاب قدمها، فقالت لست أنا من يستحق هذا الدرع الرمزي بل إنها روح شقيقتي التي جاءت لزيارتي ولم تعلم أنها ستؤدي واجبها كممرضة في محاولة التخفيف من إصابتي حتى استشهدت بغارات قوات الاحتلال على منزلنا فكانت الشهيدة الأولى في تلك المعركة ولا يكفي هذا الدرع “الأم الحنون” والدتي التي استحقته بجدارة وهي التي فقدت في تلك المعركة شهيدان وأصيب لها ثلاثة واعتقل ثلاثة آخرون من أسرتنا. الدرع الحقيقي أهديه لابنتي جراح التي جعلتها تلك الأحداث تقوم بدور الأم الحنون، حاولت أن تنسيهم ما ألم بنا من جراح وآلام وفعلت ما قد يعجز الدهر عن فعله فحضنت طفولة إخوتها وورثت استشهاد خالتها ولملمت جراح والدتها. شهادة الجنود الصهاينة نقل مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت “عوفر شيلح” عن أحد جنود الاحتياط الصهاينة الذين شاركوا في مجازر جنين قوله: “تلقينا الأوامر بإطلاق النار على كل نافذة، وكل بيت في المخيم سواء أُطلقت منه النار أم لم تطلق”. وأضاف الجندي قائلاً: قيل لنا بوضوح: حطموهم، وأطلقوا النار على كل شيء في المنطقة التي أُطلقت عليكم النار منها، وقال “إننا لم نمنحهم أية فرصة للخروج من المخيم”، واعترف الجندي الصهيوني قائلا: “لقد قمنا بإبادة مدينة”. وأكدت وسائل الإعلام الصهيونية أن مثل هذه الشهادات كانت سبب تغير مواقف الحكومة الصهيونية بخصوص لجنة التحقيق فيما جرى في جنين، وذلك بعد مذكرة صاغها “دانيئيل بيتليحم” الخبير في القانون الدولي من جامعة كيمبردج في بريطانيا، الذي يشغل منصب مستشار خارجي لحكومة شارون الهالك في قضية تحقيق الأمم المتحدة. فقد حذَّر “بيتليحم” من أن اللجنة ستحقق مع الشهود، وستقترح التحقيق مع جنود الجيش الذين شاركوا في معركة جنين وتحذيرهم من مغبة الإدلاء بتصريحات علنية، وقال: إن رجال الجيش الذين يعرفون التكلم أمام اللجنة بثقة وأمانة سيعززون الادعاء الإسرائيلي، بينما الذين لا يستطيعون ذلك سوف يسببون ضررا لموقف إسرائيل، وسيعرضون أنفسهم للخطر.وأشار إلى أنه إذا أكدت استنتاجات اللجنة الادعاءات ضد (إسرائيل)، فإنها ستقود إلى تغيير أساسي في علاقة (إسرائيل) مع الفلسطينيين، وستمنع (إسرائيل) من معارضة مطلب نشر قوات دولية، وإقامة دولة فلسطينية فورا، ومحاكمة المشتبه بارتكابهم جرائم حرب. وقال بيتليحم: لقد خسرت (إسرائيل) معركة الدعاية والعلاقات العامة، وسواء أكانت أم لم تكن فهناك مجزرة في جنين؛ فإن الرأي السائد في المجتمع الدولي هو أن (إسرائيل) استخدمت قوة مفرطة بدون تمييز ومنعت مساعدات إنسانية بعد المواجهة! وقالت صحيفة “هآرتس” الصهيونية في عددها الصادر يوم السبت 26/4/2002: إن رئيس أركان الجيش شاؤول موفاز عارض أي تعاون مع لجنة تقصي الحقائق، كما أنه حذر من أي لقاء بين أعضاء اللجنة وضباط الجيش الذين عبّروا عن تخوفهم من اعتقالهم عند السفر إلى أوروبا، وتقديمهم إلى المحكمة الدولية في لاهاي .
مشاهد أخرى تتابع الروايات والمشاهد من أهالي المخيم الناجين من المجزرة الصهيونية، فقد روت عائشة إبراهيم قصقص التي فقدت زوجها علي نائل قصقص عندما أطلق عليه جنود الاحتلال النار في منزله وسط أبنائه التسعة، فقد روت ما حدث في منزلها وفي الجوار في حارة الحواشين. وتتذكر عائشة قائلة: “إن جنود الاحتلال أطلقوا النار مباشرة على زوجي البالغ (52 عاماً) وهو في المنزل وسط أبنائه، ثم نزلوا إلى الشارع وأطلقوا النار على سبعة شبان وطفل فقتلوهم جميعاً . وأوضحت “عندما استشهد زوجي كان في منزلنا ستة جرحى يتلقون إسعافات أولية، وكانت أرض المنزل غارقة بالدماء، وقالت: إن جاراً لهم أصيب هو الآخر في بطنه برصاص الجيش الصهيوني لدى محاولته إسعاف جريح كان يئن على عتبة بيته.وأكدت رتيبة سليمان حواشين (65 عاما) “أن الجرافات الصهيونية كانت تعمل ليل نهار لإنجاز عمليات الهدم المنهجية في حي الحواشين لتمكين الدبابات على دخول الحي”. وأضافت “صبيحة اليوم الثامن للاجتياح شعرنا بالزلزال يضرب البيت الذي كنا 25 نفراً بداخله، فخرجنا نساءً وشيوخاً وأطفالا نصرخ في وجه القتلة، وذهبنا إلى بيت “أبي مروان” ومكثنا ليلة واحدة وفي الصباح التالي تم هدم البيت.. خرجنا ثانية باتجاه مدينة جنين وتوزعنا نحن النساء والأطفال على بلدية جنين وبيوت المواطنين، أمّا الشباب فتم اعتقالهم ولم نعرف مصير الشيوخ من الرجال”. وأكد ذلك محمود رشيد فايد (70 عاماً) من مخيم جنين الذي أمضى كل وقته منذ خروج الجيش الصهيوني، جالساً على ركام منزله المدمر تماماً، وممعناً النظر في عمليات البحث والتنقيب عن جثة ابنه جمال (37 عاماً) الذي استشهد تحت الردم عندما تناوبت جرافات جيش الاحتلال على هدم منزل العائلة في اليوم الخامس للمجزرة.
خلع الحجاب ولا تختلف قصة سهام محمود النعجة كثيراً عن غيرها من الناجين من المجزرة فالجميع تعرض إلى قصف المروحيات والدبابات وهدمت الجرافات بيته وهو بداخله. وقالت: عشنا تسعة أيام في جحيم القصف الوحشي وكنا 22 شخصاً بينهم فتاتان معاقتان حركيًّا، وبدأت الجرافات بهدم منزل مجاور وإلقاء الأنقاض فوق المنزل الذي تواجدنا فيه، وحين شعرنا أن الموت يداهمنا صرخنا على الجنود بأن لدينا أطفالاً ومع ذلك استمروا في عملهم .وتابعت: اضطررنا إلى الخروج وحياتنا مهددة ومنع الجنود رجالنا من حمل المعاقتين فاضطررنا نحن النساء إلى حملهما حتى وصلنا إلى المسجد حيث احتجز نحو 35 شخصاً كانوا جميعاً مقيدين ومجردين من ملابسهم وأحذيتهم. وقالت بحرقة وألم: أجبرنا الجنود على خلع الحجاب وألقوا بطفلة عمرها تسعة أشهر في الشارع كما منعوني من حمل وثائق وأوراق إثبات خاصة بالأسرة.
شهادة متطوعة أمريكية المتطوعة الأمريكية في الصليب الأحمر تشيبس كانت من أوائل الذين دخلوا شوارع مخيم جنين بعد إغلاقه لمدة أسبوعين أمام الطواقم الطبية والإنسانية، ومنعت السلطات الصهيونية الهلال والصليب الأحمر خلالها من نقل الجرحى للعلاج ونقل الشهداء لثلاجة الموتى الوحيدة في مستشفى جنين الحكومي، ورغم مشاركتها في حملات إغاثة عديدة في عدد من دول العالم فإن تشيبس التي تتحدث العربية بطلاقة عبرت عن صدمتها الشديدة بما شاهدته حينها.. وقالت: “شاركت وعشت مع الفلسطينيين لحظات الحزن والألم وهم يحاولون الوصول للمخيم لعدة أيام والجيش (الإسرائيلي) يمنعهم رغم مئات نداءات الاستغاثة التي تلقوها من أطفال ونساء وأهالي المخيم إلا أننا جميعا عجزنا عن القيام بدورنا وتقديم المساعدة لأحد، فالدبابات (الإسرائيلية) كانت تنتشر في كل مكان وتشارك مع القناصة الذين احتلوا عدد من الأبنية في إطلاق النار حتى على سيارات الإسعاف”، وأضافت: “عمل الصليب الأحمر بكل طاقاته وبذل جهود واتصالات حثيثة مع قيادة الصليب والسلطات (الإسرائيلية) لضمان تحرك الهلال الأحمر أو سيارات الصليب التي تحمل شارته لتقديم الإسعاف والعلاج للجرحى واخراج أجساد الشهداء ولكن دون جدوى، الجيش (الإسرائيلي) منعنا من التنقل والحركة وهذا أمر فظيع ومناف للقانون الدولي”.وتصف تشيبس الأوضاع في المخيم بعد المجزرة بأنه كارثة إنسانية، وتقول: “عندما سمح الجيش (الإسرائيلي) لنا بالدخول كان الوقت متأخر جدا فما أن وطأت أقدامنا أرض المخيم حتى فاحت روائح الموت للجثث التي تركها الجيش ملقاة في الشوارع والازقه وتحت الأنقاض، وأضافت تنقلت في عدة بقاع من العالم وشاهدت أشكال مختلفة من الدمار، ولكن الصورة هنا كانت مختلفة ورهيبة ومأساوية، عثرنا على جثت محترقة وأخرى متعفنة وجميعها لمدنيين بعضهم دفن تحت المنازل التي نسفها الجيش منهم نساء وأطفال ومسنين, أنها مجزرة حقيقية وصور رهيبة”. أم رمزي الكريمي (42 عاما) والتي كانت في المخيم أثناء المجزرة: “كنت مع زوجي توفيق وأولادنا الستة في بيتنا في الجانب الشرقي من المخيم عندما بدأت جرافة (إسرائيلية) بهدمه”. وروت أم رمزي الحدث قائلة “عندما فرغت الجرافة من هدم المنزل الأول بدأت بهدم منزل الجيران”. وأضافت “هربنا إلى منزل ثالث لكن الجرافات بدأت بهدمه وقاموا بطردنا، نحن النساء والأطفال”. وذكرت أن حوالي 20 من سكان البيوت المجاورة لها فروا بعدما شهدوا بيوتهم تهدم الواحد تلو الآخر في المخيم.وأكدت أنها “شاهدت مئات من الشبان العراة الذين كان الجنود يدوسون عليهم ببساطيرهم (أحذيتهم)”، مضيفة أن جنود الاحتلال قتلوا ثلاثة من جيرانها وهم رجل مسن وامرأة وابنتها. من جانبها أكدت رائدة أبو علي (36 عاما) أن منزلها انهار بعدما أصيب بقذيفة عندما كانت بداخله مع زوجها وأشقائه، وقالت: “بدأنا بالصراخ ثم استطعنا النهوض من الركام وحضر الجنود وأمرونا بإخلاء المكان بعد أن اعتقلوا زوجي وأشقاءه”، مضيفة: “لقد أجبروهم على خلع ملابسهم واقتادوهم إلى جهة مجهولة”. وتابعت أن جنود الاحتلال كانوا يتكلمون من خلال مكبرات الصوت باللغة العربية ويؤكدون “نحن جيش أقوى منكم ولا تستطيعون مقاومتنا”.الأطباء الصهاينة يشاركون الجنود في تنفيذ الجرائم! لم يحفظ الأطباء الصهاينة القسم الذي يؤديه الأطباء في تقديم العلاج لأي حالة إنسانية تحتاجه.. جمعة سعد خليفة أبو جبل من مخيم جنين، بدأت رحلته بعد إصابته أثناء اجتياح مخيم جنين، واعتقاله وتلذذ قوات الاحتلال الصهيونية في سماع أناته في منطقة “حرش السعادة” إلى قطع رجله في مستشفى العفولة ومن ثم تحويله إلى السجن وتمديد اعتقاله عدة مرات وصلت في مجموعها إلى خمسة عشر شهرا، رحلة طويلة من العذاب الذي ذاقه على أيدي الأطباء والجنود الصهاينة على السواء، فيقول : إنه أصيب أثناء اجتياح المخيم، حيث كان ذلك في تاريخ 6/4/2002 أي في اليوم الثالث من الاجتياح الذي بدا في تاريخ 3/4/2002.استكمال الجريمة في مستشفى العفولة. ويضيف أبو جبل “إنه في الساعة الثانية ليلاً تم نقلي إلى مستشفى العفولة حيث أجريت لي عملية جراحية تم خلالها توصيل قدمي المبتورة بساقي بواسطة سيخ من البلاتين وكانت نتيجة العملية الجراحية ناجحة إلا أن الأطباء منعوا عني الأدوية والعلاج لما علموا أنى حضرت من مخيم جنين وأصبت خلال الاشتباكات، حيث بدأت ملامح التلف تظهر على رؤوس أصابع رجلي وجاء أحد الأطباء ليخبرني بضرورة قطعها، فوافقت على ذلك لما رأيت من تزايد مستوى التلف بشكل كبير، ومع هذا أخروا موعدها أكثر من خمسة أيام، رغم إلحاحي الشديد بالإسراع بإجرائها كانوا يقولون: (لم يأتي دورك بعد)، مما زاد من حالة رجلي السيئة، وعند إجراء العملية أخبرني بأن القطع سيتم من أسفل الركبة ولكن لما استيقظت من العملية كان البتر من وسط الفخذ، ولم تشفع لي إصابتي بالإفراج عني، بل حولوني إلى مستشفى الرملة التابع لمصلحة السجون تمهيداً لنقلي إلى السجن لقضاء فترة اعتقال إداري لمدة ثلاثة أشهر، وبعد قضاء المدة وفي موعد الإفراج تم استدعائي فكانت فرحتي كبيرة لاعتقادي الحصول على ورقة للخروج من السجن ولكن كانت المفاجئة أنه تم تمديد اعتقالي ستة أشهر أخرى، ومع التدهور الكبير في حالتي الصحية الناتج عن إهمال مصلحة السجون لي ولكل المرضى طلبت من الصليب الأحمر التدخل للإفراج عني أو توفير قدم اصطناعية لي ، فحصلت على قدم اصطناعية من الصليب الأحمر. وقامت القوات الصهيونية بتمديد اعتقالي ستة أشهر أخرى للمرة الثالثة على التوالي ليكون مجموع الاعتقال خمسة عشر شهراً”.
ردود الفعل الدولية اثر مذبحة مخيم جنين اجتمع مجلس الأمن بناء على طلب المجموعة العربية التي طالبت بتشكيل لجنة تحقيق دولية بالمذابح التي وقعت في المخيم وبعد تهديد الولايات المتحدة باستخدام حق النقض الفيتو تم التصويت والموافقة في التاسع عشر من شهر نيسان عام 2002 على قرار 1405 الذي يدعو إلى تشكيل لجنة فحص (حسبما تدعى إسرائيل) أو لجنة تقصي حقائق (حسب رأي المجتمع الدولي) لبحث ما جرى فترة الحصار والهجمات الصهيونية عليه في الشهر الماضي، وقد جاء القرار بعد مشاورات أمريكية شارك فيها كل من الرئيس الأمريكي جورج بوش ووزير خارجيته كولن باول ومستشارته للأمن القومي كونداليزا رايس والمندوب الأمريكي في الأمم المتحدة، وعن الجانب الصهيوني رئيس الوزراء ارييل شارون ووزير خارجيته شمعون بيرس ووزير الحرب الصهيوني بنيامين بن اليعازر والمندوب الصهيوني الدائم في الأمم المتحدة يهودا لنكرى، وعن الأمم المتحدة الأمين العام كوفي عنان ومستشاره للشؤون السياسية كيران برندر جاست .كما دعت أسبانيا التي كانت ترأس الاتحاد الأوروبي وقتها إلى إجراء تحقيق دولي في الأحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين والذي شهد أسوأ أعمال عنف خلال اجتياح الجيش الصهيوني للضفة الغربية. وقالت أسبانيا في بيان “أنها أصيبت بصدمة عميقة بسبب التقارير المفزعة للغاية بشأن الوضع في مخيم جنين للاجئين والتي تشير إلى سقوط عدد كبير جدا من القتلى والجرحى وحدوث دمار هائل نتيجة للعمليات” التي قام بها الجيش الصهيوني. وأضاف البيان أن “رئاسة الاتحاد الأوروبي ترى أن من الضروري ترسيخ الحقائق، وتطلب تحقيقا دوليا غير متحيز في الأحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين”.
الموقف الصهيوني من لجنة التحقيق وفي أول رد فعل لهم على موافقة (إسرائيل) الأولية والشفوية على لجنه تقصي الحقائق صرح رئيس الأركان الصهيوني شاؤول موفاز وكبار ضباط الجيش أن اللجنة خطيرة وما كان على (إسرائيل) الموافقة عليها. وذكرت صحيفة يديعوت احرنوت في تقريرها الذي نشر في 3/4/2002 أن مواقف ارييل شارون وشمعون بيرس وبنيامين بن اليعازر تقول إن الموافقة على لجنة الفحص هو أقل المخاطر وأن شمعون بيرس وشارون هما اللذان اجريا الاتصالات مع الأمين العام للأمم المتحدة ومع الإدارة الأمريكية للوصول إلى لجنة الفحص وأن عدم موافقتهم كانت ستؤدي إلى اتخاذ مجلس الأمن قرارا بتشكيل لجنة تحقيق دولية يتم من خلالها إدانة (إسرائيل) وتشكيل محكمة جرائم حرب دولية يقف على منصتها ضباط وجنود الجيش الصهيوني.
ونقلت جريدة القدس بتاريخ 27/4/2002عن الصحف الصهيونية عن رئيس جهاز الاستخبارات اهارون زئيفي فركوش قوله: إن موافقة (إسرائيل) على لجنة تقصي الحقائق في مخيم جنين هو خطأ من شأنه أن يلحق أضرارا بالغة بمكانة (إسرائيل) وأن يحدث انقلابا بغير صالحنا في المواجهة مع الفلسطينيين.
قرار مشين المراقبون أكدوا أن تقرير الأمم المتحدة بخصوص أحداث مخيم جنين لم يكن أكثر من مهمة استكمال للجريمة البشعة التي ارتكبها شارون في المخيم فكانت أشبه بسلخ الضحية بعد ذبحها. ومرت سنين وتمر السنين … وما زال المخيم شاهدا على قصة شعب حطّم كل محاولات التصفية التي تعرض ويتعرض لها.. مرت السنون وما زالت قوات الاحتلال تئن تحت ضربات المقاومة كلما اجتاحت المخيم.. جيل يورث جيل.. والوصية : استمرار المقاومة حتى دحر الاحتلال.





