الأحد:
2026-08-30

آية القصاص.. آخر ما قرأته المربية "البدري" التي قتلت على يد لص !

نشر بتاريخ: 19 مايو، 2016
آية القصاص.. آخر ما قرأته المربية "البدري" التي قتلت على يد لص !

رام الله مكس

ما كان للمربية المغدورة ثريا حسني البدري أن تفارق المصحف الشريف، إلا بعد أن لفظت أنفاسها الأخيرة على يد مجرم لم يراع كبر سنها وضعفها، لكن دماءها امتزجت بآخر ملاحظة ألصقتها على الصفحة التي تحتوي قوله تعالى “ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”.

“كانت تسألني في جلسة أخيرة، عما إذا كانت جنات النعيم أجمل أم جنات عدن أو الفردوس، وبعدها بيوم غادرت، لتكون بين يدي ربها، لترى بعينيها أيهما أجمل”، يقول الطبيب بسام البدري، ابن المغدورة المربية البدري.

وقُتلت البدري (78 عاما) الخميس الماضي الـ12 من مايو 2016، بجريمة ارتكبها شخصان أحدهما من عائلة الخضري والأخر من عائلة أبو الكاشف، وذلك بعد سطوهما على منزلها وسط مدينة غزة بدافع السرقة.

سيرتها

ومن وسط الفاجعة التي ألمت بعائلة المسنة البدري، يروي نجلها مسئول ملف العلاج بالخارج في القطاع، سيرة والدته السابقة لها منذ مقتبل عمرها وحتى حادثة مقتلها.

ويقول لوكالة “صفا”: “أمي ربت أجيالًا منذ بداية الستينات، حينما كانت معلمة للغة العربية في مدرسة الرمال بذلك العام، وهي حاصلة على بكالوريوس في اللغة العربية، والتاريخ، كما درست الشريعة الإسلامية، وحصلت على الدبلوم من جامعة الأزهر بمصر”.

ويضيف “كانت موسوعة في اللغة العربية، وتلقيت منها حبي للغة، وكانت تتعلم وفي نفس الوقت تحرص على تربيتنا وتعليمنا، حتى تخرجنا أنا وأختاي رنا وريم من كلية الطب والعلوم”.

وبالرغم من أن البدري عاشت مع أبنائها الثلاثة عمرا في الغربة، إلا أنها زرعت فيهم حب الوطن والقيم والأخلاق، وكانت سندًا لزوجها المريض، الذي توفي قبل 8 سنوات بجمهورية مصر.

ولم يستطع البدري زيارة والده أو المشاركة في عزائه رغم أنه حاول ذلك تكرارًا، إلا أن إغلاق معبر رفح البري، حرمه من ذلك.

وبعد وفاة والده حضرت البدري إلى قطاع غزة، وعاشت في منزل ابنها الوحيد بسّام، وكان من أجمل تفاصيل حياة هذه المرأة، أنها كانت تتخذ من القرآن الكريم أنيسًا لها في معظم ساعات النهار والليل.

ويروي البدري وقد اغرورقت عيناه من الدمع، بعض هذه التفاصيل، “كان القرآن حبيبها وصديقها بمعظم أوقاتها، التي كانت تفضل قضاءها بغرفتها الخاصة التي أعددتها لها بمنزلي وكلي فخر بإقامتها معي، وفي العادة تغلق على نفسها الباب لتتدارس القرآن بهدوء”.

ويردد ابنها بفخر ممزوج بالألم “كنت فخورًا بها، أحب مجالستها كل صباح، وأعد وجبة الإفطار لها بنفسي حبًا وكرامة لها واعترافًا بما قدمته لنا في صغرنا، وكنت أشرب القهوة برفقتها دومًا، ثم أغادر إلى عملي”.

الخميس الأخير

وفي يوم الخميس من كل أسبوع كان الطبيب بسّام يواعد أمه ويقضي معها نهاية كل أسبوع دومًا، ليتنزها سويًا ثم يتناولان العشاء في أحد المطاعم بمدينة غزة، التي كانت تحبها كثيرًا.

ولكن في الخميس الأخير، تعثّر اللقاء، فبينما كانت الأم تجلس وحدها في المنزل، وقد غادرت زوجة البدري إلى منزل أهلها برفقة ابنتيه، كعادتها، فاتصل البدري بأمه بعد أن أنهى عمله في دائرة العلاج، وكان الوقت قد اقترب من المغرب.

ويروي تلك اللحظات الأليمة، قائلًا “اتصلت بها فلم ترد، وبعدها بدقيقة عاودت الاتصال فكان لا يمكن الوصول للرقم، وعدت الكرة للاتصال، فوجدت هاتفها مغلقا، فاتصلت على الهاتف الأرضي إلا أنها أيضًا لم ترد”.

في ذلك الوقت، كان المجرم قد أنهى جريمته وغادر المنزل بعد أن قتل الأم وسرق هاتفها النقال، لكن الابن لم يخطر بباله شيئ من هذا القبيل، رغم أنه أسرع إلى المنزل قلقا عليها، ليأخذها مباشرة للتنزه.

ويصف المشهد باكيًا “فتحت الباب فتفاجأت بغرفتها مفتوحة، وهي ليست عادتها، وحينما دخلت وجدت محتوياتها مبعثرة، ومسرعًا توجهت نحوها، وكان مشهدا فاجعًا أن رأيتها غارقة بدمائها وعلى جسدها عدة إصابات، والمصحف بجانبها”.

تمالك البدري نفسه، وأسرع لحمل أمه واتصل بزوجته وأهله، ليبلغهم بما حدث، وسرعان ما تجمهر الأقارب وأهل المدينة، لتسود حالة من الحزن والغضب وسط أهل غزة فور تلقي نبأ جريمة القتل.

تفاصيل الجريمة

وعن تفاصيل الجريمة يقول البدري “إن المجرم وقبل أن يفتح الباب، أرسل شخصا مرافقا له لكي يطرق الباب ويطمئن بعدم وجود أحد، وقد كانت والدتي حينما طرق الباب بغرفتها المغلقة وكانت تحادث شقيقتي في مصر على الجوال”.

ويسرد الحادثة “حينما لم يرد أحد على طارق الباب، اطمئن المجرم بعدم وجود أحد، وجاء ومعه عدة مفاتيح، وشرع بتجريبها حتى فتح أحدها الباب، فأسرع متجهًا نحو غرف المنزل وفي نيته السرقة، إلا أنه تفاجأ بأمي تفتح باب الغرفة تريد أن تتوضأ لصلاة المغرب”.

صُدمت الأم بالمجرم كما صُدم هو بوجودها، فأقدم على ضربها بألة حادة على رأسها عدة مرات، وشرع يفتش في محتويات غرفتها، وحينما سمع أنينها، أسرع وأحضر “مشرطًا” وقطع شرايين يدها، ليطمئن بأنها ماتت.

فتّش القاتل كل محتويات الغرفة، وحاز عقب جريمته على هاتف المسنة المغدورة “أيفون” بالإضافة إلى جهاز “أيباد”، وصندوق صغير به بعض من الحُلي.

أما البدري، فرغم سرعته في التوجه للمنزل، إلا أن موعد اللقاء الجميل تعثّر بتلك الجريمة، وكان وداعًا أليمًا وفاجعًا عليه.

أية “القصاص”

وخلال حمله لجثة أمه وجد البدري القرآن الكريم بجانبها، وكانت قبيل مقتلها تتدارس في الصفحة السابعة والعشرين من سورة البقرة، وقد خطّت بقلم الرصاص الذي تستخدمه لكتابة ملاحظاتها أثناء تدارسه، على أية “القصاص”.

ويقول “هذه كرامة لأمي، فهي شهيدة بإذن الله لأنها ماتت مغدورة ومظلومة، وتفاجأت بأنها خطت بيدها على الآية القائلة: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب”، كما كتبت الآية بيدها على ورقة خارجية وعلقتها بذات الصفحة.

وهنا يؤكد البدري على قراره هو وعائلته بـ”عدم قبول التعازي إلا بتطبيق حكم الله بالقصاص من قاتل أمه ثريا الدربي، حتى تسود القيم والأخلاق في المجتمع”.

وكما يقول “هذه ليست قضيتي وحدي، بل هي قضية كل المجتمع الفلسطيني، لأن القاتل ارتكب جريمته الشنعاء وقد غيّب عن نفسه القيم والمبادئ والأخلاق التي عرفها الشعب الفلسطيني، ولا بد أن تعود هذه القيم، وهذا لن يكون بالوعود الوردية أو الخطب الرنانة، وإنما بالتطبيق الفعلي والسريع والحاسم لأحكام الشريعة والقضاء الفلسطيني العادل”.

وتم القبض على قاتل البدري ومساعده، بكمين نصبته الشرطة له، بعد تلقيها اتصالا من أحد محال الهواتف، يفيد بأن شخصا أتى لبيع جهازي “أيفون وأيباد”، بعد شك صاحب المحل ومعرفته الشخصية بالمغدورة.

الرد على “المغرضين”

وحاول بعض المغرضين استغلال منصب البدري كونه مسئول لدائرة التحويلات في الخارج، ليربطها بجريمة قتل والدته، وهو يرد على هذه الإشاعات بالقول “قالوا عن أمي إنها كانت أتية عبر معبر رفح من السفر حينما قٌتلت، وهذا غير صحيح فهي لم تسافر منذ مدة”.

ويتابع “وحاول البعض استغلال منصبي، وهنا أقول للجميع كما قلت للشرطة، إنه لا يوجد بيني وبين أي شخص من أبناء المجتمع الفلسطيني أي عداوة، بل إنني أفتح أبواب مكتبي للصغير والكبير والرجل والمرأة والغني والفقير، وباختصار لكل أبناء المجتمع دون تميز أو عنصرية”.

ويضيف “كما أن الجميع راض عن أدائي وهذا من فضل الله، وبالأدلة أثبت أنا والأجهزة الأمنية أيضًا أن الدافع للجريمة كان السرقة، وأن الجاني تفاجأ بأمي في المنزل فقتلها”.

ويشدد البدري على أنه كما والدته لا يعرفون المجرم وهو من عائلة الخضري، ويقول: “إن أمي لا تعرفه وأنا نفسي تفاجأت حينما رأيته، رغم أن أقاربه يعيشون في نفس الحارة التي أعيش فيها”.

ومنذ وفاتها، تلقى البدري عدة مكالمات من مواطنين ومشايخ، رأوا والدته في منامهم، بينهم الشيخ عماد حمتو الذي قال “إن الشيخ متولي الشعراوي قال له: إننا جميعًا كنا في استقبالها”.

كما راّها أحد المحتاجين الذين تصدقت عليهم المغدورة البدري -وقد أوصت بأن يكون مالها صدقة إذا ماتت- فأبلغ ابنها بأنها “تسلم عليه وتقول له إنها تتنعم في الجنة”.

وبالرغم من الحزن والحرقة التي تشتعل بقلب البدري على الجريمة البشعة التي ارتكبت بحق أمه، إلا أن هذه الرؤى تهوّن عليه في مصابه، وفي ذات الوقت فهو لن يقبل عزاءها إلا بعد القصاص من القاتل.

w855 (2) w855 (3) w855 (4) w855 (5) w855

المصدر : صفا