الجمعة:
2026-09-11

غرق أب وابنه في المتوسط حوّل «شمّة الهواء» لكابوس

نشر بتاريخ: 26 يوليو، 2021
غرق أب وابنه في المتوسط حوّل «شمّة الهواء» لكابوس

رام الله مكس -شهدت البلاد في أسبوع العيد حالات غرق لثمانية فلسطينيين، معظمها في البحر الأبيض المتوسط الذي تقتضي السباحة فيه في هذه الأيام الكثير من الحذر بسبب الأمواج العالية والتيارات الباطنية، بينهم رجل وابنه من مدينة الناصرة تحولت معهما «شمة الهواء» إلى كابوس. وكأنه ينتظر قدوم العيد في كل عام ليختطف ضحية جديدة، لكنه هذه السنة كان أشد عطشا وجشعا فقد ابتلع الابن والأب تباعا بفارق ثوان.
هو البحر الغدار، لم يعرف أحد بالضبط كيف وقعت المأساة في تلك الدقائق الأخيرة من مساء أول من أمس في شاطئ عكا، عندما صارت شمة الهواء كابوسا مرعبا.
هناك تقولات ومعطيات شحيحة وجزئية جدا عن لحظة الاختطاف، لكن أهالي الحيّ يعلمون علم اليقين أن سامر أحمد مقازحة من الناصرة (46 عاما) قمة في الأخلاق والصبر والهدوء، وهكذا ابنه الطفل حسام ابن العاشرة. ليس تعدادا تقليديا مألوفا لمناقب الفقيد بل هي شهادات مبللة بالدموع لعشرات من سكان حي «كرم الصاحب». كيف لا يبكون صاحبهم وجارهم وقريبهم الخلوق الذي لم يؤذ نملة في حياته ويقلّ في الحديث رغم فهمه السريع لواقع الحياة الاجتماعية، كما يؤكد محمد أبو راس جار العائلة وآخرون.
ويستذكر الشاب عبد العزيز أبو ناصر ابن شقيقة الراحل أن خاله نجا وهو طفل من موت محقق بعدما صدمته سيارة في الحي، ومن وقتها زاد حرصه وحذره من كل عمل وكل حركة.
يقول وقد غالبته الدمعة إن خاله الذي يعمل كهربائيا ينتمي لفصيل نادر من الناس بأخلاقه العالية التي نقلها لأبنائه، وهذا ما يؤكده الجار أبو راس الذي يشير إلى أن طفله حسام ابن العاشرة على صورة والده، طفل مؤدب جدا.
ويشير إلى أن حسام تلميذ الصف الخامس كالكثيرين من أبناء حي كرم الصاحب درس في مدرسة جبران خليل جبران في الحي.
كم هي مشحونة تسمية مدرسة الطفل المرحوم حسام بالنسبة لأحبابه ومعارفه وأترابه… فالاسم لفيلسوف طالما شغله الموت ومن مقولاته: لا يموت الإنسان دفعة واحدة وإنما يموت بطريقة الأجزاء كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قُتل حلم من أحلامنا مات جزء».. صدق جبران رغم أن هذه المرة ضرب الموت أسرة واحدة مرتين.. دفعة واحدة ولكن هي حكمة الله لا يعترض عليها المؤمنون حكمة من بمقدوره منح المفجوعين برحيل سامر وحسام الصبر والسلوان والقوة على مواصلة المسير.

«لا يغرق إلا السّبيح»

ويقول قريب للعائلة، علي أبو رجب، إن المرحوم سامر كان مقلا في رحلات الاستجمام وقد سمعه يقول قبل أيام إنه لن يخرج في عطلة العيد للاصطياف بسبب حالات الازدحام في المنتجعات والسواحل، مفضلا انتهاء العيد ليصطحب أسرته إلى بحر عكا.
ويتابع بقلب ثقيل «من يدري أن الموت يكمن له ولفلذة كبده مقابل الساحل وقبيّل المغيب؟» متسائلا تساؤل العارف، ويؤكد هو الآخر كم كان سامر حريصا متنبها للمخاطر على أنواعها. ويضيف «سامر وأسرته مثلك ومثلي ومثل كثيرين من الناس واع ومثقف ويعي مخاطر البحر تماما لكن فعلا لا يغرق إلا السّبيح».

ملهم ومدهش لكنه غدّار لا ينجو منه حتى بحّار

ويؤكد عدد من شباب عكا خبراء البحر أن الأبيض المتوسط في هذه الأيام خطير جدا ليس فقط بسبب أمواجه العالية، بل تياراته الباطنية القوية.
وينوه الشاب لطفي عاصي من عكا أن ما يعرف بـ «التيار الساحب» هو «مصيدة عسل» فهو عبارة عن تيار يتكون بين الأمواج المرتطمة في الشاطئ يبدو منطقة مستوية وهادئة يظن مشاهدها أنها الأكثر أمنا، لكن تيارها الباطني يدفع بكل من يدخلها نحو عمق البحر بسرعة تفوق سرعة السباحين الأولمبيين وتخفق الأغلبية الساحقة من الناس بالإفلات منه، خاصة أنهم يدخلون بحالة انفعال ومقاومة غير مجدية للتيار بالعوم بالاتجاه المعاكس بدلا من الجري معه لعدة ثوان قبل السباحة إلى اليمين أو إلى اليسار والخروج من منطقة التيار.
بالمناسبة هذه المصائد ليست سمة البحر الأبيض، فقط فبحيرة طبرية في شمال فلسطين تغدر وتتقن الخطف في كل موسم من مواسم الغرق في الصيف خاصة، حيث أن الرياح تنزلق من سهل حطين غربا بشكل فجائي وبقوة كأنها تنفلت من عنق زجاجة بعد ساعات الظهر وتتسبب في الصيف بأمواج سريعة وخطيرة. وحصل قبل عشر سنوات أن خطفت في دقيقة واحدة رجلا وابنه من القدس انقلب عيدهم هم أيضا إلى كارثة رغم إجادتهما العوم.
الأبن الأكبر بهاء (15 عاما) الذي ما زال مصدوما من هول الكارثة ويبدو أنه ما زال في مرحلة الإنكار، يوضح أنه رافق والدته وشقيقته البكر فاتن للحمامات من أجل استبدال الملابس استعدادا للعودة للناصرة، وأنه تنبه في طرف العين إلى أن والده يعود مجددا للساحل ظانا أنه عاد لاصطحاب شقيقه حسام، ويوضح أنه بعد لحظات لم يرهما.
وسارعت الأم والزوجة المملوءة بالقلق لطلب المساعدة بعد دقائق من اختفائهما. لكن الأقرباء والأصدقاء ممن سارعوا لعكا بعد بلوغ الخبر الأسود يؤكدون أنهم لم يجدوا شاهد عيان على ما حدث، وأن الحقيقة المؤكدة هو العثور على الأب ليلا بعد نحو ثلاث ساعات من الغرق عند الساحل وعلى بعد حوالى 200 متر من موقعه علاوة على العثور على الابن صباح أمس داخل البحر على عمق 150 مترا بهمة شباب عكا ممن واصلوا الليل بالنهار بحثا عنهما الى جانب الوحدة البحرية للإنقاذ التابعة لسلطة الإطفاء.

فقد ولده وحفيده

الجد أحمد صالح مقازحة (أبو رجب) أبو صالح الذي بدا صابرا متماسكا يقول إن نجله سامر اصطحب أسرته في رحلة استجمام لبحر عكا وعند المساء بدأ القلق في سرّه لتأخره، فقلب الأب والجد المحب للولد وابن الولد دليله وعند الثامنة والنصف قطعت مكالمة هاتفية الشك باليقين عن فقدان ابنه وحفيده. الجد الذي يشهد له أهالي الحيّ باستقامته وحبه للناس لم يغمض عينيه في واحدة من أصعب ليالي العمر ربما أصعبها، ليلة الأحد وظل متأملا راجيا أن يكون حفيده قد ضاع وأنه سيعود ولم يأخذه البحر، لكن هذا البحر صممّ أن يكون ظالما قاسيا جشعا.

"القدس العربي"