
رام الله مكس تمكن المرآة الفلسطينية خديجة فتاش “أم نضال” من منح ولدها البكر نضال شهادة التخرج وهو خلف القضبان وذلك بعد اعتقال الإحتلال له في ليلة استعداده لمشروع التخرج الذي اعده ليقدمه في قسم التصميم والديزاين في جامعة النجاح.
اعتقال نضال فتاش لم يكن لينهي طموح والدته التي أصرت على ان يكون نجلها نضال بين الخريجين من دفعته، حيث حثت الخطى في اليوم التالي الى جامعة النجاح وعلى الرغم من حالة الألم التي أصابتها باعتقال نجلها الى أنها كانت حاضرة الإرادة قوية العزيمة في أن تقرر أن تخوض تجربة العرض والتقديم عن نجلها الذي فصل بينه وبين مشروعه نحو التخرج ساعات قليلة كان الإحتلال هو الزائر الثقيل الذي اعتاد عليه الطلبة الفلسطينيون في حياتهم الجامعية ليحرمهم فرحة التخرج.
أم نضال كتبت في مقال حول الواقعة مقال هو عبارة عن مشاعر أم وإرادة المرأة الفلسطينية التي ترفض الإنكسار، هي حكاية إرادة البقاء على الأرض التي طالما حاول الإحتلال أن يقتل الرغبة لدى الفلسطيني للعيش فوق أرضه بقتل الطموح لكن نساء فلسطين مثل والدة نضال فتاش كانت تخلق الأمل.
تقول خديجة فتاش وهي مدرسة اللغة الإنجليزية وتسكن مدينة سلفيت شمال الضفة مخاطبة نجلها نضال المعتقل، لا اعلم بان هذه الرسالة يمكن ان تصلك … ولكني قررت كتابتها ليس فقط من أجلك …ولكن من أجل كل اسير في زنازين الاسر الصهيوني … وقررت اهداء تخرجك ليس فقط لك … وليس لجداتك اللواتي يحترقن شوقا لرؤيتك وخوفا عليك …فما اعز من الولد الا ولد الولد ..وإنما أيضا لكل امهات الأسرى والمعتقلين اللواتي منع ابناءهن وبناتهن المعتقلين من الالتحاق بالجامعات ..او من التخرج بسبب الاعتقال المتكرر …
وتضيف أم نضال في مقالتها طوال الأيام الماضية وفي حديثي معك على المحادثة “الشات “وأنت في سكن الطلبة في مدينة نابلس … وبدون أي معرفة مسبقة لما سيكون، اطلعتني على الكثير من الافكار والشعارات التي كنت تعد تصميمها من اجل مشروعك التخرج. ووعدتك بأنني سأكون موجودة بإذن الله لحضور مناقشة المشروع. كان مشروعك هو حملة توعية لطلبة الثانوية العامة في الية اختيار تخصصاتهم في الجامعة…انت لم تعاني يوما من هذه المشكلة ، فمنذ ان كنت بالصف التاسع الأساسي كنت تتقن جميع برامج الحاسوب ليست البرامج العادية وإنما برامج التصميم ايضا …كنت تخطط لدخول كلية الفنون الجميلة وتخصص ال Graphic Design بالتحديد…. ومن اليوم الأول لالتحاقك بالجامعة اظهرت قدرتك الابداعية في الخطوط والرسم والتصميم .
وتصف أم نضال حديث نجلها نضال قبل الإعتقال الذي بقي مشغولا لمدة شهر لم يكن يستطيع العودة الى المنزل ويتحدث مع والدته عبر الإنترنت “قلت لي في اخر محادثة بيننا انك مشغول جدا … وانك انهيت متطلبات المشروع من تصاميم. وان هذه التصاميم تعتبر عندك شيء عادي …ولكنك تريد ان تضيف شيئا مبتكرا باستخدام ال Video Animationعن طريق عمل مقدمة للشعار الخاص بالحملة. وأيضا كنت تجهز بصفحة على النت من اجل الحملة. وطلبت مني ان ادعو لك … وقلب أمك دعا لك بالرضى وبالتوفيق وبان ييسر لك رب العالمين ما هو خير لك في الدنيا والآخرة … وان يكون عملك ونجاحك خالصا لوجه الله تعالى …ومن ثم لوطنك فلسطين “…
وفي صباح يوم مناقشة المشروع الأربعاء 23-5-2012، وقبل اذان الفجر بقليل .. وصلني نبا تخرجك الى المعتقل… قيل لي في الخبر أن أضع صورتك على حسابي في الفيس بك مع صور اولاد خالك ابراهيم وبراء ومحمد والذين اعتقلوا هم أيضا وحرموا من تقديم الامتحانات النهائية في الجامعة ..قرأت الخبر … ولا اكذبك قولا ان قلت لك انه مر علي وقتا ليس بقليل من أجل ان افهم هذه الرسالة …ابني ؟؟؟…تخرج؟؟؟…معتقل ؟؟؟؟؟كل هذه كلمات قد لا تعني شيئا عند أحد …لكنها عنت لي الكثير …نضال حرم من مناقشة مشروع التخرج…نضال حرم من مشاركة اخوته وأخواته في دفعة الجرافيك 108 من فرحة التخرج… ولكن في نفس الوقت بقي قلب أمك داعيا لك ..شاكرا لرب العالمين …لأنه هو وحده من يقرر لنا الخير في حياتنا…
ايقظت والدك .. وقلت له :”نضال اعتقل” …فقال: “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم …الحمد لله .. ” وعندها سمعنا اذان الفجر …ذهب والدك للصلاة في المسجد كعادته…وانا وقفت بين يدي ربي اصلي الفجر وادعوا لك ولجميع المعتقلين بالفرج القريب من الله تعالى، لا تقل ان قلب امك وأبيك لم يتقطعا من الم فراقك والخوف عليك في زنازين الصهاينة..لا يا امي “كنت تحب ان اقول الك وتقول لي كلمة “امما” …لا ولكننا اودعناك رب العالمين ..فأنت في حمايته … وهو لن يضيعك …
وعند الصباح ..عشنا حياتنا كالمعتاد..حضرت اخوتك التؤام سامر وسنا للذهاب الى الروضة … تأخر عبد الرحمن في الذهاب الى المدرسة كانت حرارته مرتفعة طوال الليلة الماضية ..و مراد كعادته لا يجهز للمدرسة إلا قبل الوقت بأقل القليل … ذهبت وأبوك الى اعمالنا كالمعتاد… ليس لأننا نسينا ان اليوم هو يوم تخرجك … ولا لأننا تناسينا تخرجك للمعتقل…لا يا ابني..لا “يمما” ولكن لأننا احبننا ان نقوم بواجبنا في عملنا ونخلص لربنا في هذا العمل …تقربا له ليبارك لك وليحميك ولييسر لك الخير …. ولكن انت تعرف امك…الكثير يقولون عنها انها “قوية” وممكن كمان “دقيرة” …. ولكن لن انتبه لهذا الكلام ..هل عيبا ان بكون الانسان قويا في تحقيق أهدافه في الحياة؟؟؟؟هل عيبا أن يكون الانسان “دقيرا” في تحقيق مطالبه في الحرية والكرامة؟؟؟ … كلمات صديقك عن تخرجك للمعتقل …بقيت في قلبي وفي عقلي … وقررت ان استمر في كوني قوية وفي كوني “دقيرة ” واستخرت ربي …بدون صلاة استخارة فانا كنت في عملي في المدرسة…والهمني ربي الصواب …
بمجرد انتهاء الدوام المدرسي والذي يسره ربي ليكون قصيرا بغياب الكثير من الهيئة التدريسية…عدت للمنزل .. وقلت لوالدك انني سأذهب للجامعة … واتصلت بإخوتك في التخصص .. وأكدوا لي ان كل تصاميمك جاهزة للعرض… وإنها لم تتعرض لأي سؤء..ومن ثم اتصلت بالدكتور المشرف على مشروعك للتخرج… وكعهدي بأساتذة جامعة النجاح الوطنية فإنهم والحمد لله لا يبخلون على أي طالب بالعون وبالمساعدة ، قال لي لا تخافي يا ام ضال..سنرتب لتخرج نضال اليوم..
ابني نضال … بالفعل ذهبت الى الجامعة ، لا اكذب عليك اني عندما وضعت قدمي على مدخل الجامعة …شعرت ان قلبي لم يعد معي …انه ليس هنا …كنت على وشك الرجوع ، تساءلت كيف سأقابل زملائك وزميلاتك وعيوني باكية.؟؟؟؟.اسفة ابني…انت تعلم ان دموعي كدموع غيري من الامهات تنهمر بغزارة عندما يتعلق الأمر بفلذة كبدها …. وبعد ان كدت اعاود ادراجي خارجة من الجامعة…لست أدري شعرت بقوة عظيمة تدفعني للعودة الى الجامعة…وقررت انني سابقى قوية و”دقيرة” كما عهدتني .. دخلت كلية الفنون الجميلة…التقيت – لن اقول زملائك وزميلاتك – ولكنهم اخوتك وأخواتك، كلهم كان يجهز مشروعه للنقاش. ولكن بمجرد رؤيتي تركوا ما كانوا عليه وجاءوا ليسالوا عن اخيهم نضال .. وعن حال خالتهم ام نضال ..وبعضهم كان مستغربا لكوني هناك في الجامعة .، وبعضهم قال لي نحمد الله على انك صابرة وثابته… وأنهم لم يستطيعوا ان يتصلوا علي من خوفهم ماذا سيكون حالي . شعرت بفرحتهم عندما علموا انني افكر بعرض مشروعك للتخرج على لجنة المناقشة. وفي خلال لحظات اوصلوني الى اللجنة … والى رئاسة قسم الجرافيك ديزاين…وفي خلال اقل من ساعة ، كنت قد اطلعت على التصاميم بشكلها النهائي بعد الطباعة… واطلعت على آلية العرض المتبعة في القسم.
لا “يمما” لا تخف علي ولا على مشروعك فهو بأيدي امينة. صحيح ان تخصصي ليس فنون جميلة .. وإنما لغة انجليزية. ولكني يا ابني كنت من الفئة المستهدفة عندك في مشروع التخرج. انا كنت احب طوال عمري ان اتخصص فنون جميلة . ولكن بسب الكثير من الأمور لم استطع وتوجهت الى اللغة الانجليزية وآدابها.
ليس هذا فقط وإنما تطوع الكثير من اخوتك واخواتك في التخصص لابلاغي بأحاسيسك ومشاعرك وأفكارك في المشروع والتي كانوا مطلعين عليها في جلسات النقاش فيما بينكم… ومن خلال كلماتهم تذكرتك وتذكرت طريقتك في العمل …هل تعلم لماذا اقول تذكرك؟؟؟؟…ابني لقد مضى حوالي الشهر لم ارك قبل اعتقالك …فأنت دائما كنت منشغلا بتصاميمك ومشاريعك ، وكان صعبا عليك الحضور الى المنزل…تواصلنا كان فقط على الموبايل والفيس بك. ادعو الله ان اراك قريبا يا رب…
اطلت عليك يا ابني …اعذرني…ولكن كل لحظه عشتها في ذلك الوقت تستحق ان يكتب عليها الف مجلد…ليس لأنك ابني المعتقل … ولكن لان كل لحظة من تلك اللحظات وكل شعور كان في قلبي ما هو الا لحظات صعبة مرت على ملايين الامهات الفلسطينيات … وكل شعور ما هو الا بعض ممن عايشته امهات لم يقدر لهن ان ينظرن الى عيون ابناءهن لسنوات وهم في العزل او في منع الزيارة…كل هذه المشاعر كانت في قلبي عندما دخلت وعرضت مشروعك امام لجنة مناقشة مشاريع التخرج. ومن كل هذه المشاعر وهذه اللحظات الصعبة جاءت قدرتي على عرض مشروعك.
ممكن ان لا اكون ابالغ يا امي انني احسست حقا انني في مهمة وطنية وليس عملا شخصيا من اجل ابني العزيز …فمنذ اللحظة الأول لدخول القاعة استعنت بربي ونذرت عملي لوجهه تعالى … وأهديه لجميع امهات الأسرى والمعتقلين …اللواتي لو كن في مكاني لكن قمن بما قمت به انا…فانا يا امي لم اصنع معجزة ولا خيالا .. ولكنني احببت ربي فأردت ان اكسب قليلا من الحسنات للقائه…وأحببت وطني فأردت ان اثبت لكل عدو صهيوني انهم لن تستطيعوا قهر هذا الوطن …وأحببت امهات وطني فأردت ان اقدم لهن هدية كثير ما حلمن بها من اجل فلذات اكبادهن وللأسف الكثير لم ينالها …وأحببت اخوتك وأخواتك في التخصص فلم ارد لهم ان يمضوا وقتا حزينا وهم قد يشعرون بالذنب لأنهم تخرجوا وأنت لم تستطع…والحمد لله جعلتهم يضحكون كما لو كنت بينهم …أما انت فالحمد لله …لأنني جعلت نيتي خالصة لربي.. يسر الله لك الخير وكان عرضي لمشروعك لا اقول من اجمل العروض … ولكنني لمست في عيون لجنة المناقشة التفاعل والفرح الكثير …حتى هم شعروا بالنصر لان طالبهم وابنهم العزيز والمبدع نضال فتاش قهر السجان وتخرج….





