
رام الله مكس- سجى أزعر– في البلدة القديمة من بيت لحم، يبرز مشروع “كركم” كنموذجٍ شبابي يسعى إلى إعادة إحياء الصباغة الطبيعية، في وقتٍ تهيمن فيه صناعة الأزياء السريعة والمواد الكيميائية على هذا القطاع يقوده الشاب محمد هادية (28 عامًا)، الذي حوّل شغفه بالأزياء المستدامة إلى مشروع عملي انطلق من المنزل، قبل أن يتوسع تدريجيًا نحو فضاءات محلية ودولية.
يقول هادية إن المشروع بدأ بعد تخرجه في تخصص تصميم الأزياء، حيث اتجه في البداية إلى إعادة تدوير الملابس، ثم سعى إلى إدخال الصباغة الطبيعية كقيمة مضافة، تقوم على استخدام مواد نباتية بدلًا من الأصباغ الصناعية ويضيف أن حصوله على إقامة فنية في “دار جاسر” في بيت لحم شكّل نقطة تحول أساسية، إذ أتاح له تطوير تجربته، ما ساهم لاحقًا في وصول المشروع إلى معارض خارجية، من بينها دبي، إضافة إلى مشاركاته في ورش ودورات تدريبية في أوروبا.
اختيار اسم “كركم” لم يكن عشوائيًا، فقد ارتبط بأول تجربة لونية خاضها هادية باستخدام هذه النبتة، والتي شكلت مدخلًا لتوسيع اهتمامه باستخلاص الألوان من مصادر طبيعية مختلفة.
تعتمد عملية الصباغة الطبيعية في المشروع على مراحل تقنية دقيقة، تبدأ بغسل القماش لإزالة أي بقايا كيميائية، على أن يكون القماش من ألياف طبيعية كالقُطن أو الحرير تلي ذلك مرحلة معالجة القماش باستخدام مواد تساعد على تثبيت اللون، ثم تجهيز الصبغة وفق معادلات حسابية دقيقة تراعي وزن القماش وتركيز المادة المستخدمة وتستغرق هذه العملية ما بين عدة أيام إلى أسبوع، تبعًا لنوع القماش واللون المطلوب وتلعب بعض المواد الطبيعية، مثل تلك التي تحتوي على “ التانين ”، دورًا رئيسيًا في تثبيت الألوان على الأقمشة، وهو ما يفسر اعتماد المشروع على أعشاب محددة مثل السماق، إلى جانب الاستمرار في البحث عن مصادر نباتية أخرى قادرة على إنتاج ألوان متنوعة وثابتة.
في المقابل، يواجه المشروع تحديات اقتصادية ولوجستية، أبرزها صعوبة الحصول على المواد الخام فبينما تتوفر بعض الأعشاب محليًا، يتطلب بعضها الآخر الاستيراد من الخارج أو من القدس، ما يرفع التكاليف ويؤثر على وتيرة الإنتاج، خاصة في ظل القيود المفروضة على الحركة كما يعاني المشروع من محدودية توفر الأقمشة الطبيعية محليًا، ما يضطر القائم عليه إلى استيرادها من دول مثل إيطاليا والهند
ويؤكد هادية أن مشروعه لم يتلقَ أي دعم مالي من مؤسسات أو جامعات، رغم اعتماده جزئيًا على تقديم ورش تدريبية للطلبة، وهو ما انعكس على حجم التحديات المالية التي واجهته، ودفعه إلى تشغيل المشروع من منزله لتقليل التكاليف التشغيلية ورغم هذه التحديات، يحظى المشروع بإقبال ملحوظ، خاصة على مستوى الورشات التدريبية، التي تستقطب مهتمين بتعلم تقنيات الصباغة الطبيعية، في ظل تنامي الوعي بالبدائل البيئية في قطاع الأزياء.
اقتصاديًا، لا يزال المشروع يعمل ضمن هامش محدود بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف التمويل، إلا أن هادية يشير إلى أن تأثر الإنتاج بتوفر المواد يبقى جزئيًا، نظرًا لإمكانية استخدام بدائل نباتية تعطي نتائج متقاربة ويجمع “كركم” اليوم بين كونه مشروعًا إنتاجيًا وتعليميًا في آنٍ واحد، حيث يسعى إلى نقل المعرفة المرتبطة بالصباغة الطبيعية، والمساهمة في الحفاظ على حرفة تقليدية تراجعت بشكل كبير خلال العقود الماضية في ظل التحولات التي يشهدها قطاع الأزياء عالميًا، يطرح هذا المشروع تساؤلات حول إمكانية استعادة نماذج إنتاج أكثر استدامة، تقوم على الموارد الطبيعية، وتوازن بين البعد البيئي والجدوى الاقتصادية.
الاقتصادي





