الإثنين:
2026-08-31

طوابير منتصف الليل.. انقطاع الوقود في الضفة قبيل التسعيرة الجديدة: أزمة إمداد أم "احتكار" متعمد؟

نشر بتاريخ: 31 أغسطس، 2026
طوابير منتصف الليل.. انقطاع الوقود في الضفة قبيل التسعيرة الجديدة: أزمة إمداد أم "احتكار" متعمد؟

رام الله مكس- مع اقتراب الساعات الأخيرة من نهاية كل شهر، يتكرر المشهد ذاته في مختلف محافظات الضفة الغربية: طوابير تمتد لعشرات الأمتار أمام محطات المحروقات، يرافقها إغلاق مفاجئ لبعض المحطات بحجة "نفاد الكمية" وتوقف المضخات عن العمل.

يتزامن هذا المشهد دائماً مع الإعلانات الرسمية بارتفاع أسعار المحروقات للشهر الجديد (على سبيل المثال، ارتفاع سعر لتر البنزين إلى 8.25 شيكل مع بداية سبتمبر 2026)، مما يفتح باب التساؤلات على مصراعيه: هل نحن أمام أزمة حقيقية في سلاسل التوريد، أم أنها ممارسات احتكارية وجشع من بعض أصحاب المحطات لجني أرباح إضافية صبيحة اليوم التالي؟

رواد السوشال ميديا: غضب واتهامات بـ "الاحتكار"

شهدت منصات التواصل الاجتماعي (تحديداً فيسبوك، المنصة الأكثر استخداماً في فلسطين) موجة من التذمر والانتقادات الحادة مع نهاية الشهر. برزت عدة اتجاهات في ردود أفعال المواطنين:

اتهامات مباشرة بالاحتكار: آلاف المنشورات والتعليقات وثقت إغلاق محطات الوقود أبوابها أو إطفاء الأنوار في ساعات المساء، معتبرين أن المحطات تخزن الوقود الموجود في خزاناتها الأرضية لبيعه بعد منتصف الليل بالتسعيرة الجديدة المرتفعة، لتحقيق هامش ربح إضافي.

فقدان الثقة بالرقابة: عبر العديد من النشطاء عن استيائهم من غياب طواقم حماية المستهلك التابعة لوزارة الاقتصاد الوطني وهيئة البترول في هذه الأوقات الحرجة، مطالبين بجولات تفتيشية مفاجئة لقياس مخزون المحطات التي تدعي نفاد الوقود.

ظاهرة "شراء الهلع": أظهرت مقاطع الفيديو تهافتاً غير مسبوق للمواطنين لتعبئة مركباتهم قبل منتصف الليل لتوفير بضعة شواكل، وهو ما يساهم فعلياً في تفريغ خزانات المحطات بسرعة تفوق المعدل الطبيعي.

رأي النقابة والجهات الرسمية: أزمة هيكلية ومالية وليست احتكاراً

على الجانب الآخر، وعند التدقيق في المعطيات الاقتصادية وتصريحات الجهات المختصة، يتضح أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد "احتكار محلي":

أزمة تكدس الشيكل: تعاني محطات الوقود من صعوبة بالغة في توريد الأموال للشركات الإسرائيلية الموردة.

وبحسب نقابة أصحاب محطات الوقود، ترفض البنوك الإسرائيلية استقبال فائض عملة الشيكل من المصارف الفلسطينية، وتم تقييد المحطات بإيداع لا يتجاوز 50% من قيمة مشترياتها نقداً في البنوك.

هذا العجز في السيولة النقدية المقبولة بنكياً يحد من قدرة المحطات على شراء كميات كافية تكفي لتغطية الطلب المتزايد نهاية الشهر.

نقص الإمدادات اليومية: أكد نقيب أصحاب محطات الوقود في الضفة الغربية في تصريحات سابقة أن المحطات تظل مغلقة أحياناً بسبب نقص حقيقي في التوريد، حيث تحدد الجهات الإسرائيلية الموردة الكميات اليومية التي تصل إلى الأراضي الفلسطينية.

وعندما يتزامن هذا النقص المجدول مع "شراء الهلع" من المواطنين نهاية الشهر، تنفد الكميات المتاحة فعلياً قبل منتصف الليل.

التبعية الاقتصادية: الأزمة تكشف هشاشة بنيوية في سوق الطاقة الفلسطيني الذي يعتمد بشكل شبه كامل على المورد الإسرائيلي بموجب "بروتوكول باريس"، مما يجعل أي أزمة سياسية أو مالية (مثل احتجاز أموال المقاصة) تنعكس فوراً على المضخات.

وبناءً على المعطيات، لا يمكن نفي وجود حالات فردية لبعض أصحاب المحطات الذين قد يعمدون إلى تأخير البيع طمعاً بزيادة التسعيرة، وهو سلوك يصنف ضمن الاحتكار.

ومع ذلك، فإن إلقاء اللوم بالكامل على المحطات يتجاهل الصورة الكبرى؛ فالأزمة في جوهرها أزمة مركبة تجمع بين تقليص الإمدادات الإسرائيلية، وتداعيات أزمة فائض الشيكل في البنوك، وتدافع المواطنين غير المبرر لتخزين الوقود.

طالما بقيت هذه الأسباب الهيكلية دون حل جذري يضمن تدفق الوقود والسيولة بانتظام، سيبقى مشهد طوابير نهاية الشهر وإطفاء مضخات الوقود عرضاً مستمراً.