
رام الله مكس
فاطمة أبو حية
فوجِئ الأسير الجديد بصوره مع عروسه التي زُفت إليه قبل أشهرٍ قليلة معلّقة على جدران غرفة التحقيق، ولما حاول أن يهرب بعينيه من هذه الصور، رفع بصره إلى سقف الغرفة، فوجده مغطى بالصور أيضًا، انهار وعلا صوته، فدخل محقق آخر للغرفة، ليمثّل دور الرافض لهذا الأسلوب، وأخرج المحقق الأول من المكان، وبدأ بتهدئة الأسير وإخباره بأنه “لا نريد معلومات، سنخرجك من هنا، المهم أن تكون بخير”، لقد أخذ جنود الاحتلال الصور بعد اقتحام البيت وتفتيشه عندما تم اعتقال الشاب، واستخدمها المحققون للضغط عليه نفسيًا للحصول على اعترافات منه، ومع ذلك لم يعترف، ومن باب اللعب على الوتر النفسي أيضًا، تبادل المحققون الأدوار بين القاسي الذي يعرض الصور، و”الطيب” الذي لا يريد سوى راحة المعتقل.. هذه القصة أخبرنا بها الأسير المحرر محمد الديراوي في معرض حديثه لـ”فلسطين” عن التعذيب النفسي في غرف التحقيق.
الغلبة للضغط النفسي يقول الديراوي: “بشكلٍ عام، مخابرات الاحتلال تأخذ العبر والعظات من تجاربها، وتتعلم من كل التجارب السابقة، وبناء عليها يكون العمل، ومن ذلك أن التحقيق مع الأسرى كان، في السابق، يعتمد على استخدام العنف الجسدي، مع قليل من الضغط النفسي”.
ويضيف: “دراسة الاحتلال للتحقيقات ونتائجها جعلته يغير طريقة تعامله مع الأسير أثناء التحقيقات، فمنذ أواخر التسعينيات أصبح الجانب النفسي أهم من الجسدي في التعذيب، وذلك لأنه أكثر جدوى ويتيح للمحقق الحصول على معلومات أكبر من تلك التي يحصل عليها بالتعذيب الجسدي”.
ويتابع: “ولأن الإيذاء النفسي يجلب كمًّا أكبر من المعلومات، اعتمده المحققون، إلا في حالات قليلة يصدر فيها قرارا بإجراء تحقيق عسكري، وبه يصبح مع المحققين كل الصلاحيات للحصول على أكبر قدر من المعلومات في أقل وقت ممكن، وبالتالي يلجؤوا لكل أشكال التعذيب من ضرب وشبح وغيرها”.
ويوضح الديراوي أن سبب تفوق التعذيب النفسي على الجسدي في التأثير على الأسير ودفعه للاعتراف يكمن في أن الفلسطيني خارج السجن يكون في حالة حرب لمقاومة الاحتلال، وعندما يتم اعتقاله ويتعرض للضرب يعتبر أن العنف جزء من الحرب ذاتها، فيستمر في الصمود لمواجهة هذا الشكل الجديد من الحرب، مبيّنًا: “ومن المعلوم على مستوى العالم أن المحقق عندما يلجأ للضرب فقد فشل في مهمته، أما استمراره في الضغط النفسي فيدل على طول نفسه وإصراره على المواصلة، وكذلك فإن الأسير بعد تعذيبه جسديا يعود إلى زنزانته يتألم من شدة الوجع، وهذا هو الأثر الوحيد، ولكن إن تعرض لإيذاء نفسي فهو لا يتوقف عن التفكير بحرقة فيما قاله المحققون”.
والترغيب أيضًا وعن الأساليب التي يستخدمها الاحتلال في تعذيب الأسرى نفسيًا، يقول الديراوي: إن أول أشكال الضغط النفسي يتمثل في حرمان الأسير من الخروج من الزنزانة لأيامٍ متتالية، فلا يرى غيره من الأسرى لأسبوعين أو شهر مثلًا، ثم إثارة مخاوفه بشأن حياته المستقبلية، كأن يحدّثوه بعبارات مثل: “لن تكمل دراستك، لن تتزوج وتستقر في عائلة، عندما تخرج بعد سنوات طويلة سيكون أفراد أسرتك قد ماتوا ولن تجد أحدا منهم”.
ومن وسائل التعذيب النفسي الأخرى التي يستخدمها الاحتلال، بحسب الديراوي، المساومة على الأهل، بحيث يهدد المحققون الأسير، على سبيل المثال، باعتقال أخيه الصغير، أو قصف بيت العائلة، أو يخبرونه بأن والدته مريضة مع عرض صورتها أثناء تواجدها في المستشفى، مع الشتائم بألفاظ بذيئة.
ويلفت إلى أن الاحتلال يلجأ للترغيب أحيانا، إذ يلعب على الوتر النفسي أيضا ولكن بطريقة مغايرة، وذلك بتكوين علاقة بين الأسير والمحقق، فقد يستمر المحقق لشهر كامل بالجلوس مع الأسير دون إخباره بالقضية التي اعتقل بسببها، ويكتفي بإخباره بمعلومات وقصص عن حياته الاجتماعية، وإلى جانب أحاديث المحقق يتخلل الجلسة تقديم وجبات طعام فاخرة وعصائر وحلوى، وغيرها مما يُحرم منه الأسير.
ويبيّن أنه يستمر المحقق في الحديث عن نفسه ليرتاح له الأسير، وكلما سأل المعتقل عن سبب أسره، يرد المحقق بإجابات مثل: “بنحكي بعدين، معنا وقت كتير للكلام..”، موضحا: “إذا وصل الأسير إلى هذا الشعور، وأحس بالارتياح للمحقق فهو بذلك دخل منطقة الخطر”.
ويشير إلى أن: “البعض قد يتأثر بهذا الأسلوب بالفعل، وإن كانوا قلّة، فأحد الشباب كان يقول إنه يحب أن يطلبه المحقق ليجلس معه، وفي هذه الحالة يكون دور الأسرى الآخرين توعية من يتعرض لهذا الشكل من التحقيق”.
وأحيانا يحدث الانهيار النفسي بعيدا عن غرف التحقيق، بسبب عملاء السجون المعروفين باسم “العصافير”، إذ يقول الديراوي: “قد يستمر التحقيق لشهور لا يدلي خلالها الأسير بأي اعتراف، ولا يقدم أي معلومة، فيخرجه المحققون إلى غرف العصافير، وهناك يتحدث عن كل ما لديه، ثم يُفاجأ بأن المحققين يواجهونه بأقواله، فيكتشف الفخ الذي وقع فيه، وهذا من أسوأ ما يمكن أن يتعرض له الأسير، وبعض الأسرى الذي وقعوا في شباك العصافير وصل بهم الانهيار النفسي إلى حد نقلهم إلى المستشفى، حيث يشعر الأسير في هذه الحالة أنه تعرض للخداع من أسوأ الناس على الإطلاق فباح في أيام بما امتنع عن الاعتراف عليه لشهور رغم التعذيب”.
ويوضح أن التعذيب الجسدي يتحول أحيانًا إلى تعذيب نفسي، كالشبح لأيامٍ متتالية، حيث التعذيب بهذه الطريقة يسبب ضغطًا نفسيا على الأسير إلى جانب الشعور بالألم الجسدي.
لكلٍ ما يناسبه ويؤكد الديراوي أن التعذيب النفسي مدروسٌ بعناية، لضمان تأثيره، ولاختيار الأساليب المناسبة لكل أسير، والنقاط التي يمكن الدخول له من خلالها، لذا فكل أسير يتعرض لضغط نفسي يناسب شخصيته ويختلف عن الذي يتعرض له غيره، لافتًا إلى أن تجاوب الأسرى مع الضغوط النفسية يختلف حسب شخصية كل منهم.
ويوضح أن دراسة شخصية الأسير تكون بجمع المعلومات عنه قبل أسره، وبرصد ردود فعله أثناء التحقيق، وتعريضه لبعض المواقف، مثل إدخال فتاة لغرفة التحقيق تقدم له مشروبا، فإذا نظر للفتاة يتعامل معه المحقق بطريقة تختلف عمّا لو تجاهلها، لذا فإن بعض الأسرى يعرض عليهم المحققون بطريقة مباشرة العمالة، وآخرين يسألونهم: “برأيك ما الذي يمكن أن نتفق معك عليه لتخرج من السجن؟”، وآخرين يستحيل أن يعرضوا عليهم الفكرة.
ويشدد الديراوي على ضرورة تحقيق حالة من الوعي بمختلف قضايا الأسر، وما يحدث داخل السجون، لأن الفلسطيني معرض للاعتقال في أي لحظة، وبالتالي لا بد أن يكون على دراية بما يمكن أن يتعرض له في حال اعتقاله، وأن يعرف كيف يتعامل مع الضغوط التي ستُمارس عليه.





