
رام الله مكس – سلفيت
كتبت ذكرى شحادة
سمعتُ احد الفتيات تهمس لفتاة اخرى في حفلة زفاف مرح ” حظ القبايح بالسما لايح” هكذا يحدث لاي شخص يقرر المجتمع ان يحكم عليه باحكام عدة فقط لانهم يعانون مشكلة ما ، كانت مرح تعاني من مرض ” العشا الليلي” والذي رغم انه مجرد مرض بسيط يكاد تاثيره لا يذكر مقابل الامراض الاخرى الا انه حكم عليها احكاما لا يمكن لقلب انثى برقته ان يحتمله.
مرح التي لم يتجاوز عمرها 22 عاما من بلدة كفل حارس – سلفيت التي فارقت الحياة في صباح اليوم 21/3 في قصة اعدام ينفذها القانون والمجتمع لتودع الدنيا بصمت يترك لنا عدة خيارات نبدأ منها حكاياتٌ كُثر ، وعلامات تعجبٍ كثيرة.
عاشت منذ صغرها في بيت عائلتها تحمل فيه قلب الام، دائما كانت تعتني بأخوتها وترعاهم في غياب والدتها ، تعد لهم الطعام وتهتم بالتفاصيل الصغيرة، تلك التي كل ما كانت تحلم به في البداية نظارة طبية جديدة لتصلح لها تشوه هذا الكون الرديء جدا ، كبرت وكبر همها ، كانت لا تنكر عيبها ولا تخجل به ابدا ، كان كل ما تريده ان تجد الانسان الذي تسند ظهرها اليه ويعينها على الحياة اذا ما جار عليها الزمان ، كانت تخشى ان تظل وحيدة، فهي تفهم هذا المجتمع كثيرا، ولكنها قررت ان تمنح نفسها ومجتمعها فرصة واحدة،علها تنجح في ايجاد حياة اخرى لها مع شخص قد يعشق قلبها دون ان يلتفت لعيوبها.
تزوجت مرح ، الفستان الابيض ذاته، لكنه كان يبدو اكثر جمالا بها ، كانت سعيدة به كثيرا، تشعر ان الدنيا بدأت بمكافئتها ، رغم ان الشخص الذي اختارته ليكون نصف قلبها ورفيق دربها ، لم يقم لها حفلا يليق بفرحتها، ولم ينفق لهكذا يوم اي مبالغ تذكر ، ولكنها كانت راضية بقسمة الله لانها تؤمن ان الاجمل ما بعد هذه المظاهر الخارجية.
انتهى يوم الزفاف ذاك لتبدأ كوابيس مرح الواقعية، فالزواج ليس كما توقعته هي ، قلب طيب وحسن معاشرة واهتمام، كان البكاء رفيق ايامها، ومع ذلك ولانه الرجل الاول في حياتها ، احبته واعتادت وجوده رغم سوء هذا الوجود، حاولت مرح ان تحتمل المر صبرا من اجل اياما جميلة ، الا ان الواقع التعيس لم يوصلها الا الى طريق المحكمة الذي لم ينصفها ايضا، فهي كانت ترى ان الطلاق حلا بشعا لابد منه، وهو كان يضيق عليها لكي تطلب الطلاق بنفسها لكي لا تطالبه بأي حقوق بعد الطلاق !
الجلسة تجر الجلسة ومازال قلبها ينبض من اجل حب صادق ، في كل مرة كان الطريق يسوقها الى المحكمة تلك ، نبضة في قلبها تخبرها انه لا بد وان يعيدها لذمته ، لابد انه احبها كما احبته، كانت تحدث صديقاتها عنه عندما يلومها احد على التمسك به ، قائلة: ” لا تحدثونني عن شيء ترونه بعيونكم واراه بقلبي ” ، كم كان قلبك مغشيا عليه يا جميلة !
في الليلة السابقة ، اقامت ليلها لتناجي ربها في الصلاة، وفي الصباح، اخبرت والدتها انها لا تريد ان تلبس ما اعتادت لبسه، فلبست جلبابا، واستعدت للمواجهة التي من المفترض ان يتم الحكم فيها بحقوقها ، ولكنها كانت تشعر انه سيرجعها لذمته دون الحاجة للحقوق تلك!
اخبرت والدتها قبل ان تذهب انها بحاجة لان تزور الكعبة كثيرا، فوعدتها امها بزيارة للكعبة عندما تنتهي من هذا الرجل الظالم، وصلت مرح لقاعة المحكمة ، طرق القاضي عصاه مبشرا بالحكم ، الحكم الذي من المفترض ان يعيد لها حقها ! عمرها ، ومهرها الذي اكتشفت انه كان مجرد اكسسوار وليس ذهبا اصلا ، اما للنفقة ، فحكم القانون لها بمبلغ نفقة يخجل اللسان عن ذكره، في حين انها كانت تنتظر ان تخرج من الباب الذي دخلت منه ممسكةً بقبضة رجل احبته وعاشرته شهورا واياما وليال طويلة ، رجلا اعتقدت ان يكون عكازتها في الكبر ، وعينها ان خانها النظر ، كانت تعتقد انه مفتاح الفرج لصبرها الطويل ، لكن قلبها الطيب بشدة ، لم يحتمل ادراك هذا الواقع ..
عن اي مبلغٍ تتحدثون ؟ وما قيمة المشاعر لديكم حينها؟ ما قيمة العمر بالام الفقد والخذلان اذن وبما ستعوضونني حينها! كان ردها سقوطا صامتا هادئا بجلطة لم تحتمل اثرها الوصول الى المشفى حيث فرت الدموع من عينها والدماء من انفها والروح من جسدها فور سقوطها امام والدها وذاك الكائن عديم الاحساس ” طليقها” وصاحب المطرقة العادل ..
في مشهدٍ يترك حتى جدران المحكمة تتسائل اين العدل الا عند الله! اخذ روحها الطيبة وترك لنا جسدا متعبا لنخفيه تحت التراب كي لا نعري حقائقنا نحن ، هذا المجتمع القاسي الذي يطلق احكامه دون ادنى شعور، هذا المجتمع الذي يسحق الطيب لانه لا يملك حيلة اخرى ، المجتمع الذي حكم لمرح ان تتزوج من شخص معدوم المشاعر فقط لتجد الستر ، فقط لانها ليست كاملة او مثالية ، مع ان العورات والعيوب والنواقص تكاد ان تقتلنا ، لكننا نخفيها لندعي الكمال ، اما من لا يخفي عيبه نضربه باقسى الاحكام ، لنجد ان الظلم ظلمات ، الا رحمة رب العالمين ، الرحمة هذه التي ستلاحق كل من كان سببا في اذية مرح ذات القلب البريء.
قبل الرحيل ..
كانت معتادة على ان تفتح خزانتها بين الحين والاخر تتفقد ملابسها “كسوتها” والتي كانت تعتبرها الحقيقة الوحيدة في هذا الكابوس ، ملابس جميلة كباقي الفتيات ، بالوان الفرح التي تستطيع ان تميزها وتفرح بها قلبها ، كانت تتاملها كل يوم وتعطرها وتقفل ابواب خزانتها التي كانت موشومة بعبارات كانت تعبر بها عن حالها ، فأما الصبر واما الاستسلام للحظ المنحوس الذي لن يتغير ، اخبرت اخاها الكبير الذي كان يحبها كثيرا ، انها تخشى ان تصبح في يوم وحيدة ، تشعر انها تفضل الموت ، لتخفف عن الجميع ولكي لا تكون عبئاً على احد ، لم يصدق ما قالته اخاها ابدا، قال لها لك عيني يا اختي لك روحي واياكي ان تكرري هذا الكلام ابدا ، لتجده الان اكثرهم حزنا ..
اين يذهب بوجع قلبه بعد ان رحلت اخته عنه وهي متعبة ! اما عن اباها الذي لا يفارق لسانه ذكر الله فلازال يخشى مواجهة الواقع وتصديق مشهد سقوط ابنته ورحيلها امام عينه ، ووالدتها تلك ، صاحبة الوجه المرح المبتسم التي لم تفارقها ابدا ابتسامة الرضا والصبر، تراها وكانها لا هموم لديها ، وكان قلبها لا يحمل كدرا، كيف يحتمل قلبها الظلم والفراق معا ، كيف تنسى ان ابنتها الكبرى اهدتها رحيلا موجعا في يوم يصادف به يوم الام ، لن تنساها مادام في قلبها نبض امومة وحب ، لن تنساها مهما تقدم العمر ومضت السنين ، مهما كبرن اخواتها ، وحاولن ان يهدينها وردا او حتى صبرا! اما عن اختها التي سمعت خبر موتها من الفتيات في الطرقات ، لن تتوقف عن الدعاء على من ظلمها ، رغم انها ليست بحاجة لاي دعاء الان، هي التي تدعوا لنا ان نجد العدل الالهي في ظل حياة نحياها شبه مقتولييين، ظالمين ومظلومين ، نخشى الحقيقة ونؤيد الظلم ، وما زلنا نتهامس في الاعراس نطلق احكاما تجاه كثيرين لا نعلم ما ينتظرهم بعد فرحتهم هذه ، رغم انهم يستحقون الكثير من الفرح .
رحم الله روحك يا مرح فلتنعمي بنور الله ورعايته فهو اقرب لك من قلوب تحترق الان لرحيلك وتبكي! فالمبكي حالنا،، كيف مضيتي وتركتي حقك في اعناقنا جميعا.. هذا هو المبكي والمخيف حقا.
رحلتِ وتركتِ الذكريات ورائحة عطركِ مازالت تفوح من وراء القفل لا يمنعها شيء..
#خزانة_الوجع #مرح





