
رام الله مكس – قصة صحفية – اريج ابو كامش
البعضُ مِنا في هذهِ الحياة لا يكونوا سِوى ضَحايا لا ذَنْبَ لهم بما تفعله الحياة بهم ..ذلك هو القدر الذي تفرضه علينا الحياة ..ما كان ذنبها لكي تحمل مسؤولية أكبر من عمرِها بكثير ؟؟ ما كان ذنبها لكي لا تذهب إلى مدرستِها كرفيقاتها ؟؟ ما كان ذنبها لتعتني بطفلٍ رضيع يحتاج إلى عنايةٍ كبيرةً؟؟ما كان ذنبُها لتقوم برعايةِ أسرة كبيرة على حسابِ تعليمها ؟؟ هل ستتمكن من نسيانِ ما حدث لها ؟!
تزوج أباها من أمها بعد أن أحبا بعضهما كثيراً ،لتكون هي أول طفلة يرزقان بها ،أنجبا بعدها أربعة أطفال ،كانوا يعيشون في بيتٍ بجانبِ عائلة أبيها التي كانت تتدخل فيهم كثيراً ، لم تشعر في يوم من الأيام أن أحداً من عائلة أبيها أحبهم أو أحب أمها بالأخص حتى أنهم لم يكونوا يرغبون في رؤية أمها بينهم أبداً و كانوا دائما يعاملوها بكراهيةٍ كبيرةً. مشاكل كثيرة و مستمرة بين الأب و الأم بسبب عائلة الأب.
وفي ليلةٍ من الليالي كانت أمها تجلس مع أبيها و كانت في أحسنِ حال و لا يبدو لها:”أنتي تأمرين،تفضلي”.قالت:”أريدُ الطلاق “.
أحس الأب بدهشةٍ غريبةً وقف لها شعر رأسه ،و اهتز كامل جسده ،و شعر ببرودةٍ ،و كاد يصاب بجلطةٍ في دماغه.قائلا لها (بدهشةٍ):”ماذا تقولين؟هل تمزحين ؟” فقالت:”لا أمزح و أنا جادة في طلبي”فقالَ لها :”ماذا تشتكينَ مني ؟هل قصرتُ معكِ في شيء؟لماذا تطلبين الطلاق و نحن لدينا خمسة أطفال هم في أشدِ الحاجة لنا معاً …؟ !” فقالت:”أنا بصراحةٍ لم أعد أحتملَ العيشَ معك و مع عائِلتك حتى أنني لم أعد أحبك أبداً .
” صُدِمَ الأب مرتان الأولى من طلبِها للطلاق و تركها له و لأطفالِها ،و الثانية من أنها لم تعد تحبُهُ مقابِلَ الحب الذي يقدمه لها.لكنَهُ وافق على طلبِها للطلاقِ مباشرةً .
اتصلت الأم بأخيها ليأتي و يأخذها إلى بيت أبوها ،و تركت زوجُها و أطفالِها منذ ُهذهِ الليلة اللعينة ، بعد حوالي أسبوع من ذهابِها أُصيب الأب بصرع من شدة التفكير في الذي حصل و أصبح يصرخ بصوتٍ عالٍ من شدةِ وجع رأسه من حينٍ إلى آخر ،لم يقدر على تحمل سماع أي مشكلة صغيرة من حينِها ،حتى أنهُ فقد القدرة على المسؤولية و لم يهتم بأبنائِهِ ، كان يقضي أغلب وقته جالسا يفكر بحزنٍ شديد .
رفعت الأم دعوى طلاق في المحكمة .لكن قبل أن يتم الطلاق وقعَ ما لم يكن في الحسبان .
اكتشفت الأم أنها حامل ،و بسبب الحمل فإِنها تبقى في ذمةِ زوجها إلى أن تلد المولود ،سعى البعض من أهالي الأم إلى إرجاعها إلى زوجِها قبل انتهاء فترة العدة(أي قبل أن تلد)،و رجعت شكليا أما في الحقيقة فإن زوجها لم يقبلها كزوجة بعد أن تركت عائِلتها و هي في حاجةٍ لها .
و بعد أن انتهت فترة الحمل رُزِقَ الأب منها بطفل جديد و صارت أماً لستةِ أطفال ،و لكنها لم ترجع إلى بيتِ زوجِها بل ذهبت إلى بيتِ أهلِها و معها المولود الصغير ،لم ترفع دعوى الطلاق على الأب مجدداً و قالت إِنها لن ترجع للعيشِ معه كما إِنها لن ترفع دعوى طلاق مجددا .
فقامَ أبو الفتاة بعد مدة طويلة من غيابِها برفع دعوى الطلاق بعد تشجيع عائلته له على فعلِ ذلك.
في المحكمة تمَ الطلاق و حكم القاضي أن يكونوا الأطفال في حضانةِ أُمِهُم المُطلقة مع النفقة على أن يراهم أبوهم مرة أو مرتان في الأسبوع ،لكن حدث ما لم يتوقعه أحد فقد قالت الأم(أمام القاضي):”أنا لا أريد أن أرى أحداً من أولادي ،و لا أريد أن يعيشوا معي. صُدِمَ الجميعُ من قرارِها الغير متوقع .
متسائلين(بتعجب)” أيُ أمٍ هذه ِالتي تترك أولادِها صغار و بينهم مولودٌ رضيع ؟؟ .
عادَ الأبُ إلى بيتِه معهُ ستةَ أطفال كانت أكبرهم ملاك التي ما تزال في التاسعة من عمرها و في الثالث الابتدائي في المدرسة ،لم تكن لتعرف أنها ستصبح راعيةً لهذه ِالأسرة و أنها ستصبح أماً لإخوتها ،رعت أبيها الذي بقي يعاني من الصرع ، على الرغم من سنها الصغير إلا أنها تعلمت الطبخ و تنظيف البيت وتنظيف الملابس بمفردِها و اعتنت بأخيها الرضيع و انشغلت عن دراستها حتى أنها لم تلاقي الوقت للذهاب إلى المدرسة كما أن عائلة الأب تدخلت في الموضوع و حاولت أن لا تجعلها تذهب إلى المدرسة عدا عن معاملتهم لها و لإخوتها كأولاد مطلقة و الخجل بهم أمام الناس بالإضافةِ إلى اتهام أُمِهُم بقلةِ الشرف و زرع في عقولهم أن أمِهُم كانت سيئة كثيراً ، فلم تذهب إلى المدرسة و بقيت في البيت شبه أمية لم تتعلم القراءة و الكتابة بشكلٍ تام .
بدأَتْ تشتاقُ لمدرستِها كثيراً و تبكي بشكلٍ سري بسبب خوفها أن يراها أحد و هي تبكي و يوبخها ،كانت كل صباح تستيقظُ مبكرا لكي تبدأ في عملها في البيت لكنها كانت ترى صديقاتها ذاهبات إلى المدرسة فتجلِسُ على سريرُها محتضنةً الطفلُ الصغير و هي تبكي بحرقةٍ و يحيط بعينيها لونٌ أحمرٌ خفيفاً يُظهر مدى تعبِها ،و شفتاها متشقِقَةً من كثرةِ البُكاء،أصبحت الدموعُ لا تَجُفُ من عينيها و الحزنَ لا يفارقُ قلبُها .
بعد مرور زمنٍ طويل اعتادت ملاك على حياتها و على تدخل عائلة أبوها المستمر بشكلٍ سلبيٍ في حياتِها بدلا من تقديمِ المساعدة لها ،كما اعتادت على طولِ غياب أُمِها عنها ،و على المرضِ الذي أصاب أبوها ، لكنها حرصت و بشدةٍ على ذهابِ إخوتِها إلى المدرسةِ وكانت تشجعُهم على الدراسةِ و الاجتهاَدَ حتى أنها كانت تساعِدُهُم في دروسِهم على قدرِ ما تستطيع ،لكن بسببِ سوء الوضع المادي اضطر أخوها الأكبر من الذكورِ إلى تركِ المدرسة لكسبِ المال ليصرف على الاحتياجاتِ الأساسية في البيت كما أنها رَأَتْ جارة لهم و هي تُخَيِط َثوب فتعلمت منها الخِياطة و أصبحت تُخيط للنساءِ الثياب مقابل الحصول على مالٍ لا بأسَ به و تساعد أيضا في مصروف البيت ،فأصبحت المسؤولية عليها و على أخوها معاً .
أما أبوها فقد طلبت المستشفى من أهله نقلِهِ إلى مستشفى في الخارجِ لعلاجِهُ فاضطر جَدُها إلى بيعِ أرض لتلبية تكاليف علاجُه ُو اعتبر الأرض التي باعها حصةُ أبوها في الميراث.
الآن ملاك في العشرين من عمرِها ،كَبِروا إخوتِها جميعُهُم و كُلُهم أصبحوا قادرون على الاعتناءِ بأنفسِهِم نوعاً ما .
لكنَ الحزنُ ما زالَ في عينَيها و يَكبُرُ معها كلما كَبِرَت ،لطالما حلمت في أن تكونَ مُتعلمة و تفرح في نجاحِها كبنات جيلها لكن ما حصل معها في صغرِها وقفَ عائِقاً أمام تحقيقِ نجاحِها ،حتى أنها أصيبت بعقدةٍ مِنَ الزواج ربما خوفاً من المستقبل بالإضافةِ إلى أنها لا تريد ترك إخوتها .





