
رام الله مكس – اسراء ابو ظهري
لو أنني لم ارفض !
“الملاك ” كما وصفته امه في تلك الليلة التي اصبحت تغريدة تعلو في ذاكرتها ، حين طلب منها أن يذهب للعب كرة القدم لعبته المفضلة في الملعب المجاور لبيتهم لكنها رفضت ! لم يلّح عليها كثيرا … فطلب منها ان يذهب للمسبح .
تقول مستذكرة: “خفت عليه من مسافات قريبة لكن القدر غدر به في لحظة كنت اضع فيها لقطعة ثيابة على حبل الغسيل .
“وافقت على ذهابه الى مسبح القرية المجاورة مع ابناء عمومته إطمأن حينها قلبي لوجوده معهم، خرج من البيت وعيناه تودعان درجات المنزل وهو يقول لي لا تخبري “ميلاد” .اغلق علي باب الخامس عشر من رمضان وبقي مغلق من بعده بقفل من الطفولة المسالمة”.
تماما عند الساعة الثالثة فجرا الخامس عشر من رمضان من العام 2016 طار الحمام عن سطح منزله مخلفا وراءه صمت عم بيوت قريته بيت عور التحتا بخبر اوقفهم عن تناول السحور ، حاول الجميع ان يخفوا عن أمه هذه الفاجعة حتى لا يفجع قلبها في هذا الليل الموحش ،اعتقدوا بأن النهار سيكون ارحم عليها لتلقي ذلك الخبر .
تقول”اخبروني بأن الجيش قد استوقفهم ولم يصبهم اي مكروه وسنذهب لإحضارهم”، تستكمل”تابعت نشر الغسيل وقلبي يخبرني أن هنالك شئ ما “،
اصبحت أمه على دراية بأنه مصاب فقط لم تدرك ما الذي يحصل وكيف! ومع ذلك اخذت تعد له صحن البطيخ ، هذا السحور الذي اعتاد عليه محمود.
في تلك اللحظه حين دخل “ميلاد” الاخ الاصغر لمحمود على أمه قائلا” يمّا محمود منيح انا هسا حكيت معو بالتيلفون” ، سكنت راحة غريبة على ملامح وجهها …كانت هذه الكذبة الاولى لميلاد على أمه، وكان ذلك اخر صحن بطيخ تعده له ولكنه لم يتناوله.
بقي حلمه بالسفر الى برشلونه معلقا في سقف غرفته يعانق عيون أمه صباحا ومساء…ركدت ملابس العيد في خزانته تحاكي نفسها لموعد اخر معه في الجنة…بقيت أمه على أمل عودته حتى الساعة الثامنة صباحا ، حين افجعها صوت أخيها
“محمود إستشهد يا أمل”
جسر المنتهى
تنهيدة ثقيلة حطت على صدرها … تستعيد قوتها لتكمل حديثها وكأن الكلمات باتت هي السبيل لتخفف من أوجاعها … تقول “كنت أسهر تلك الليلة مع أختي وكان رأفت “والد محمود” لديه ضيوف .
لم تكن تعلم أن حياة طفلها محمود الذي لم يتجاوز الخامسة عشر ربيعا قد توقفت بالقرب من ذلك الجسر اللعين “الطريق الواصلة بين قرية بيت عور التحتا وقرية بيت سيرا ”
بكل هدوء يرتطم رأسه بالمقعد الذي كان يجلس عليه بالسيارة دون أن يخبر أحدا أنه ذاهبا، لم تكن رحلته ترفيها عن نفسه فقط بل شاء القدر أن يكون اغتسالا لإستقبال الشهادة.
رصاصة تخترق رأسه بغدر على يد ضابط صهيوني ،ورصاصات اخرى تخترق اجساد رفاقه ،قبل أن يحاولوا النزول من السيارة ومحاولة الهرب من ذلك الحلم الذي حاصرهم اخذوا يجرون انفسهم محاولين الهرب بعيدا عن رشاشات الجنود التي لم تتوقف عن اطلاق النار صوبهم، لم يدركوا أن محمود ما زال جالسا بالسيارة ، لم يستطع الهرب معهم فتلك الرصاصة كانت كفيلة بإنهاء كل شئ…
تلك الرصاصات لم تكن تائهة بل تعمدت طريقها الى اجساد اطفالنا .
تكمل حديثها محاولة حبس دموعها ” تلك الليلة التي سبقت استشهاده كنت قد اعددت له ورق العنب على الافطار هذه الطبخة التي كان يلح علي دوما لاعدادها …كانت هذه اخر وجبة له معنا”.وتنهمر الدموع رغم حبسها.تمسحها ثم تكمل ” كل هذه اللحظات تذكرني بما قاله “رأفت” والده كان دائما ما يجدد على مسمعي قائلا”انا خايف عليه هالولد يا أمل ” ربما لأن محمود لم يكن ك ابناء جيله لم يكن يعاندنا بأي شئ حتى انني كنت افرح حينما اقول له شئ ويرفضه فلقد اعتدت على تنفيذه لكل ما نطلبه” .
بعيدا عن شغفه بكرة القدم وحضوره مباريات ريال مدريد فريقه المفضل مع أمه واخوته، كان يحلم بأن يصبح طبيبا في يوم ليس بالبعيد …
وإرتقى شهيدا
طفل يواظب على صلاة النوافل وينبه أمه عليها.
أي طفل هذا يسكن في أعالي السماء؟ ما زالت أمه تستشعر صوته كبلابل الصباح فوق الدالية التي زرعها في ساحة منزله تستقيظ كل صباح لتنظر اليها لعلها ترى محمود يلعب بالكرة تحت ظلالها … “ليته كان حلما”.
أوقفتني دموعها التي تمردت عليها مجددا ومن ثم أخذت تستذكر ذلك اليوم الذي زفوا لها طفلها شهيدا تقول”شاهدت لمعة في عيونه لم اشهدها في عيون احد غيره “.
لم يكن غيابه بالأمر السهل على أخته الصغرى فكلما اشتاقت اليه تذهب خلف منزلهم بعيدا عن صورته بعيدا عن عينا أمها وتذرف الدموع شوقا …أما أخيه ميلاد فلم يعد يسمع صوت محمود بالصباح يستعجله الى حافلة المدرسة بات الليل شاهدا على بكائه كل ليلة رغم صغر سنه.
كعويل الليل في اعماق المنزل باتت الحكاية … وتنمو الايام على انامل امه كلما اعدت ما كان يحبه من الطعام .
هكذا كان محمود الطفل القائم على جسد رجل يسعى للوصول الى طموح انطفأ على يد ضابط صهيوني يحمل الكثير من الرتب الوحشية السارقة لفلذة اكباد امهات هذه الارض.
تناول الافطار ،أخذ ما يلزمه للسباحة ،وذهب ولم يعد…
بقي هناك محاولا أن يخبر أمه بشئ… بودي أن أقول شيئا… إنتظر لا تطلق النار صوبي… دعني اقول لأمي بأني أحبها… دعني أقول شيئا…
وإرتقى شهيدا
كان يريد أن يقول لهم… أكرهكم.





