الإثنين:
2026-08-31

كلية للبيع...وبنصف السعر!

نشر بتاريخ: 06 سبتمبر، 2016
كلية للبيع...وبنصف السعر!

رام الله مكس

لا شيء يجعلنا أكثر صمتا كخيبة الأمل، وخيبة الأمل هي كل ما لمحت في عيني هاني المطفأتين على الرغم من أنه لم يجاوز الأربعين بعد. كان يلقي بجسده المتعب على قارعة طريق فرعي في قريته جبع، جنوب جنين، يحرس بسطة متواضعة لبيع الاكسسوارات الرخيصة..لكنه في ذلك اليوم بالذات كان يعرض شيئا آخر للبيع..كان يعرض كليته..وبنصف السعر.

صوته المتهدج وهو يصيح للفت أنظار المارة إلى بسطته وشى بثقل حمله وعظم مصيبته “بكل للبيع..كلسات للبيع.. تشتري عمي” كان يصرخ فلا يكاد صوته يسمع إلى أن صرخ “كلية للبيع”.. كان الناس ينظرون إليه باستهجان وكأنه مجذوم أو فاقد لعقله وعندها فقط خرج عن صمته يحدثني دون أن ينظر إلي.

“طيب شو أساوي يعني؟ أسرق ؟أنهب؟” صرخ هاني بسؤاله الاستنكاري وكأنه يخاطب السماء ثم استدرك “ولما أنسجن شو بدو يصير بالأولاد، والله ليموتوا زي اللي الاثنين اللي قبلهم وما يلاقوا حد يطلع فيهم” كان يسأل نفسه ويجيب بطريقة تدمي القلب. وكان هاني قد فقد اثنين من أبنائه بسبب عيب خلقي ولدوا فيه، ولم يتمكن من علاجهم بسبب فقره،الأمر الذي أثقل صدره وزاد من خيبة أمله في نفسه.

“الحاجة خلتني أفكر بجدية بهالموضوع، وأنا مازلت مصرا على بيع كليتي لأي مشتري ومش طالب كثير”، قال هاني مشيراً إلى أن زوجته كانت قد منعته مرتين من قبل وبالقوة من المضي قدما بالموضوع “بس لما أشوف هالاولاد بيتقطع قلبي، أنا ما بستاهلهم، لو بستاهلهم كنت عرفت أعيشهم، أطعميهم زي البشر على الأقل” قال هاني وقد لمعت عيناه فأدار رأسه بالاتجاه الآخر.

ويعيش هاني مع زوجته وأطفاله الثلاثة في منزل من الطوب لا تتجاوز مساحته ٣٠ متراً مربعاً يخجل من أن يسميه بيتا ويصر على وصفه بـ”الخشة” لكن حتى هذه الخشة “بدها أيجار وفواتير كهربا ومي من وين بدي أجيب أنا” قال هاني الذي يتلقى مساعدة مالية من وزارة التنمية الاجتماعية لا تتجاوز ٢٥٠ شيكل شهرياً. ” والله صرت أستحي من نظرات اولادي، أطلع قبل يصحوا وأرجع وهم نايمين عشان ما يطلبوش مني إشي وأنا جيوبي فاضية” استطرد هاني وقد اختنقت في حلقه الكلمات.

الشؤون لا تكفي

حملنا تسؤلات هاني وهمه إلى وزارة التنمية الاجتماعية علنا نقلص علامات الاستفهام في حياته المرهقة، وتحديدا إلى نائب مدير مكافحة الفقر خالد البرغوثى الذي قال لـ”راية”، بأن المساعدات التي يتم تحويلها للاسر الاكثر فقرا في فلسطين تقدم عبر آليتين رئيستين: الاولى تعتمد على عملية محوسبة تحدد قيمية المساعدات بعد احتساب قيمة الدخل الاجمالي للعائلة، والثانية تتم من خلال عملية مسح اجتماعي تقوم بها طواقم الوزارة من خلال زيارات ميدانية للعائلة المحتاجة وتحدد قيمة المساعدات على اثرها.

وتتلقى ١١٥ ألف أسرة مسجلة لدى الوزارة بالضفة الغربية وقطاع غزة، مساعدات مالية، وعينية كالطرود الغذائية، والتأمين الصحي وهي في نظر البرغوثي “قليلة وغير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية لكل عائلة” يعترف البرغوثي لكنه في الوقت نفسه يبرر للوزارة ذلك بـ “محدودية القدرات المالية للوزارة التي تعتمد بشكل أساسي على المساعدات النقدية المقدمة من الدول المانحة” والتي لا تكفي للحد من أزمة الفقر تنخر عظام ونسيج المجتمع الفلسطيني على حد وصفه.

قصير هو الوقت لبكاء متقن على فقدان الولد أو جنون مجنون كبيع كلية من أجل إيجار بيت أو فاتورة كهرباء، لتزيد تساؤلات هاني واحدا: عندما يعجز الوطن عن منحنا أكثر من صدوع ضيقة لدفن أبنائنا …كيف نبقى؟.

image

المصدر -شبكة راية الإخبارية