الجمعة:
2026-09-04

نطفة

نشر بتاريخ: 09 يونيو، 2017
نطفة

رام الله مكس – كتبت ميس ابو غوش

نزال تنجب شهيدا ومناضلة

لم تتجاوز شيرين سن السادسة من عمرها عندما كانت بين أذرع أخيها رائد نزال، حيثُ تعرض رائد للإعتقال منذ طفولتِهِ عدةَ مرات.

فكانت بداية اعتقاله في الرابِعة عشرة قبل إندلاع الإنتفاضة الأولى، على خلفيةِ إلقاء مجموعة زجاجاتٍ حارقة على جنود الإحتلال، إلى أن تنتهي فترة قضاء الحكم داخل السجون ليتم اعتقاله مجددا عند بلوغه الخامسةَ عشر ربيعاً، بتهمة التحقيق مع العملاء بالاضافة الى إلقاء الزجاجات الحارقة على دورياتٍ عسكرية في محافظة قلقيلية.

خمسة سنوات لمؤبد مدى الحياة..

إنتهت مدة اعتقال رائد البالغة خمسة سنوات، ليتلقى وقبل الافراج عنه رسالة من الجبهةِ الشعبية لتحرير فلسطين بأوامرِ للتحقيق مع إحدى العملاء الذين قاموا بإسقاط الفتيات الفلسطينيات واللواتي قُتلنَ لاحقا بدم بارد على خلفية ما يسمى “بقضايا الشرف”.

عند بزوغ الفجر كان نزال قد انهى تحقيقه مع العميل ثم قتله ووضعهُ في كيسِ قمامة وألقى بهِ على أبواب الزنزانةِ تاركاً رسالة  لجنود الإحتلال كتب فيها “خذوا زبالتكم”، فتم الحكم عليه  بالمؤبد مدى الحياة .

عانق رائد الحرية في التاسعِ من سبتمبر عام ألفٍ وتسعمئة وتسعةِ وتسعين خلال صفقة تبادل للأسرى، ولم تكن سنوات السجن السابقة كفيلة لوضع حدٍ لنهاية تاريخِ نضاله، حيث تعرضَ للملاحقةِ هو ورفاقه من قبل المخابرات الصهيونية،  لتنتهي بعد عامين حياة الفدائي رائد الذي لم يمت قبل ان يكون نداً.

شيرين وصلاح العلي ..

ورثت شيرين القوة والإصرار من أخيها لتسلك طريقها في التعليم بجامعة بيرزيت،  بتخصصِ الهندسة المدنية.

وفي عامِ 1997 وخلال نشاطها الإجتماعي تعرفت شيرين على “صلاح العلي” أثناء زيارتها له بعد إطلاق صراحه من سجونِ الإحتلال مع مجموعةٍ من رفاق القطب الطلابي الديمقراطي التقدمي، وبعد ذلك الحين تعززت رابطة الصداقة بينهما لثلاثِ سنوات، ولم يقتصر نشاط شيرين على مستوى التعليم الجامعي و الزيارات لأهالي الأسرى التي كانت تنظمها الحركات الطلابية، بل وكانت إحدى الطالبات المثقفات اللواتي لم يعرفن حدا للمعرفة، حيثُ كانت ضمن فريق مركز منيف الثقافي، وكان من ضمن الفريق صلاح العلي مما أتاح لهم إنشاء علاقة صداقة ودية لأربع سنوات، كون هناك نقاط التقاء فكري ووطني وتاريخ نضال يجمع بين صلاح واخوها رائد .

2002 م_2008م

قرر كل من شيرين وصلاح الإرتباط بشكلٍ رسمي عام ألفين واثنين وكان ذلك ابان الانتفاضة الثانية التي كانت على الابواب، مما شكل حاجزاً أمامهما بإتخاذِ خطوةٍ كهذه، وبذات الوقت إستشهاد أخيها في الرابعةِ والعشرين من إبريل لعام ألفين واثنين، و ملاحقة صلاح من قبل المخابرات الصهيونية  وتعرضه لثلاث محاولات إغتيال.

أكملت شيرين تعليمها في ألمانيا  بتخصص هندسة المياه، وكان ذلك بناءً على طلب صلاح الذي بقى مطارداً ولم تتلقى أخبارعنهُ، وخلال إتصالات مع أهلها في الضفةِ الغربية تلقت معلومات بتعرضِ صلاح للإصابةِ برصاصة متفجرة في ركبته، مما أدى إلى تمزقها بشكلٍ كامل، إلى أن تم إعتقالهُ في الرابعةِ عشر من فبراير لعام ألفين وأربعة، وتعرض لتحقيق شكلي بإعتبار أن ملف الاتهام  والإعتراف جاهز، ومن احدى مواقف التحقيق مع صلاح قال قائد الوحدة : ” شو وين الجبهة عنك ليش مش مسلح”، فكان رد صلاح بضربهِ على وجهه قائلاً: ” الجبهة الشعبية مركنة على زنود زلامها”، وعقاباً له بقي ينزف دون علاج الى ان نقل لمستشفى “هداسا”، ومن ثم إلى سجنِ عسقلان.

قررت شيرين أن تعود إلى الضفة الغربية  اعتقادا منها بأن صلاح قد أستشهد حيث ان الجميع  يرفض إخبارها بمصيره، إلا أن أهلها عارضوا عودتها وأكدوا لها بأن صلاح قيد الإعتقال في عامهِ الأول ولا يستطيع أحد زيارته.

بعد انهاء شيرين دراسة الماجستير في المانيا عادت إلى الضفةِ الغربية، وخلال زيارتها لصلاح إتخذ كلاهما قرار الخطوبة وإعلام الاهل بذلك، إلا أنه كانت هناك معارضة من والدها بسبب قلقهِ بإعتبار أن صلاح قد حكمَ عليه بالسجن مدة 15 عاما لخوفه بإعادة تجربة رائد.

وبعد سنوات من محاولات إقناع شيرين لأهلها، ارتبط صلاح وشيرين بميثاقِ العهد والحب والوفاء بعام ألفين وستة، ولم تكن تلك الخطوة تُشبع حرمان الإحتلال لها من رؤية صلاح، فكان يمنعها من زيارته تحت إطار القانون الجائر، بمنع الزيارة لغيرمن يتم تصنيفهم درجة اولى من الاقرباء كلأم والاب والابناء ، نتيجة ذلك وبعد عامين تم عقد القران بين صلاح وشيرين واستطاعت أن تحصلَ على تصريحٍ أمنيَ لزيارة زوجها مرة كل ستة أشهر.

العالمين بنطفة

أرادت شيرين ان تنجب طفلا ليكون حلقة وصل بين عالم يقبع خلف القضبان، وعالم أخرينتظر حرية من يقبعون داخل السجون، والوسيلة الوحيدة للحصول على الطفل الذي سوف يصنعُ مستقبل صلاح بعد خروجه هي الحصول على نطف يتم تهريبها و زراعتها في رحم شيرين لتنجب أسير صغير يشبهُ زوجها.

العريس سجين!

وبعد استشارة دار الإفتاء بتلك الخطوة كان يجب على شيرين أن تشهرَ زواجها بحفل كبير وتباعيات إجراء طقوس الزواج، فخرجت من بيت أبيها بالثوبِ الأبيض، وعريسُها متزين بين زملائِه داخل المعتقل، فالطريق الذي نهجتهُ شيرين فتحَ مسلك أخر للحياةِ والحرية لباقيِ الأسرى الذين حرموا من فرحةِ الأبوة، وحبها وتمسكها بصلاح جعلَ منها أكثر إصرارأً و تمسكاً بإنتهاج طرق مواجهةِ العدو بكافة الوسائل.

النطفة علي !

بعد الحصول على النطفة المهربة التي يعاقب عليها الإحتلال  أهالي الأسرى، من خلال حرمان أطفالهم من زيارة أبائهم خلفَ القضبان ، ورغماً عن الإحتلال تمت عملية الزراعة بنجاح وكبر علي على تمتمات أمه مرددةً  كلمات ابيه المرسلة له، وخلال فترة نموه زرعت شيرين صورة صلاح وكلماته في قلبِ علي، ففي كل مرة يرسل صلاح فيها الرسائل تقوم شيرين بقراءتها لكي يستطيعَ إحتضان أبيه بعد خمسةَ عشر عاماً من الحرمانِ،فلا بد أن شيرين واجهت صعوبات كونهُ الحمل الأول لها ولكنها سرعانَ ما تلقت المساعدة والدعم العائلي لها فالجميع ينتظرُ علي.

وفي الخامس عشرمن نوفمبر لعام 2015 حملت شيرين راية صلاح وقامت بالتوقيع على عملية قيصرية، ليلتقط علي انفاسه الأولى، ولا يوجد طريقة لإخبار أبيه  الغائب بسبب الاحتلال الا بصرخات شيرين بعد الإنتهاء مغمضةً أعينها تسمع دقات قلبها المتسارعة فهذا نصرُ الحياة من أجل البقاء(صلاح هي ابننا اجى)

والأن بعد ميلاد العلي تنتظر شيرين الافراج عن زوجها الذي من المقررانتهاء حكمه عام ألفين وعشرين .