
رام الله مكس – كتب عبد الله البرغوثي
الثاني عشر من أيار العام ألفان وسبعة عشر، يومُ حافل تضامنيّ مع الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال، إنها جمعة الغضب في العديد من القرى الفلسطينيّة، وهنا في قرية النبي صالح، استعدّ شبّان القرية والقرى المجاورة وبدأت المسيرة التضامنيّة بالحجارة والموليتوف، وغيرها من أساليب الاحتجاج البسيطة.
وكما في أية مواجهة تجري مع الجنود ، تصاوب أحد الشباب برصاصة مطاطية في رأسه، وهرع طاقم الإسعاف لحمله ونقله إلى السيارة، حينها، أسرع رفيقه براء البرغوثي، 20 عاماً وصعد في سيارة الإسعاف ليرافقه إلى المشفى، ولم يكد يجلس بجوار صديقه المصاب، حتّى هبّت دوريّة لجيش الاحتلال، حلق عناصرها السيارة، وطالبوه بمغادرتها على الفور، ارتبك براء، فسارع في إخفاء دلائل مشاركته في المواجهات، كان في حوزته أداة لقذف الحجارة تعرف ب “المقليعة”، إلا أنه لم يستطع أن يخفها أو يلقها بعيدا عنه، فدفنها بسرعة في جيب بنطاله لفرط ارتباكه، ألقى نظرة آزر فيها رفيقه، وغادر سيارة الإسعاف.
نصف مدفون
ما أن خرج براء على الجنود حتّى ربطوا يديه، وعصبوا عينيه وألقوا به في الجيب.
يروي براء تفاصيل اختطافه قائلا: “داسوا على رأسي، ونقلوني عبر الجيب إلى مكان مجهول، أنزلوني في غرفة، وهناك أخذوا يضربونني ويبصقون عليّ، ويشتمونني، دون التوقف عن ضربي على وجهي، وهنا فقدت الوعي.” يصمت براء. مرت دقائق حتى شعر الشاب المختطف بمياه باردة تلقى عليه، فقام من اغماءته.
– شو اسمك؟ صرخ الجندي.
لم يجب براء، فما كان من الجندي إلا أن ضربه على رأسه، فغطّ مغشى عليه ثانيةً.
ولأكثر من أربع ساعات، ظل الجنود الذين لا يدرك براء عددهم –لأنه كان معصوب العينين، حول صاحب قاذفة الحجارة “المقليعة”، صادروا هاتف الشاب الأعزل، حين اتصل به والده اتصالا مرئيا –مكالمة فيديو من هاتف أحد الضباط، ولم تتجاوز المكالمة نصف دقيقة. يتابع براء:” قلت لابوي اني بخير وما انضربتش، عشان ما يقلقش علي.”
وهنا، وجد المختَطفون من إنكار براء ضربهم اياه، فرصة وعادوا يضربونه على رأسه، ولكن هذه المرة بسلاح “إم 16” واستمر الانتظار في الغرفة المجهولة لأكثر من أربع ساعات متواصلة، ثم نقل براء إلى غرفة أخرى، وضرب على رأسه مرتان، حينها، شعر برغبة في قضاء حاجته، فاصطحبه الجنود دون أن يحلوا عصبته ووثاقه، خلصوه من ثيابه، وأثناء قضاءه حاجته، دفعه أحد الجنود فسقط أرضا، رفعه الجنود حينها، ألبسوه ثيابه، وخرجوا به دون أن يعلم أين هو، وإلى أين هم ذاهبون به. إلا أن طريق العودة المجهول هذا لم يسلم من الضرب والتنكيل، ضرب الجنود براء على رأسه وبطنه، فهوى أرضاً ولم يستطع أن ينهض، فحل جنديّ العصبة عن عينيه، ووجد براء نفسه ومختطفيه في أرض بين أشجار زيتون، خاليةً إلا منه والجنود الذين تبين حينها أنهم ثلاثة. حينها رفعوه، وضربوه على رأسه، ففقد وعيه، وحين فاق من إغماءته وجد نصف جسده مدفوناً، أصيب براء بهلع دفعه للنهوض بسرعة.
-لازم تموت! صرخ أحد الجنود ببراء رافعاً سلاحه من طراز ال “إم 16″.
-لا إله الا الله، محمد رسول الله. قال براء بخوف شديد.
حينها، طلب منه الجندي ذاته أنه يشتم النبي محمد، لم يجبه براء، فعادوا يضربونه، ففقد السيطرة على قدميه، وهنا طالبه الجندي بالوقوف. يقول براء مستذكرا:” لم أتمكن من الاستجابة لصرخة الجندي الذي راح يعدّ “واحد، تنين، تلاتة”، لم أقف، فقفزوا فوقي الجنود الثلاث، ورحت أصرخ. وعادوا الكرّة لسبعة مرات..”
وبعد ذلك مشوا -والمختطف يجر قدميه، وصلوا المعسكر. يتابع براء:” وجدنا جنديين فأخذوا يرفعونني ويضربونني على قدميّ لمرات عديدة، بعدها انطلق أحد الجنود، أحضر مقص وقام بقص شعري، ثم قص العصبة التي تغطي عينيّ.”
ألقي الشاب البرغوثي بعدها على قارعة الطريق، لم يكن قادرا على الوقوف على قدميه، أخذ يزحف حتى وصل شبكاً حديديّا، تشبث به، وزحف إلى الشارع ملقيا بنفسه أمام السيارات التي تعبر، لكن دون جدوى. يقول براء:”أظن أن أغلب تلك السيارات كانت لمستوطنين، بعدها، مرت مصادفة سيارة لشاب من بلدتي بيت ريما، تعرّف عليّ بعد جهد، ونقلني إلى مشفى سلفيت.”
الشاب براء البرغوثي، عاد إلى أهله في الساعة الثانية عشرة صباحا، بعد اختطاف دام لعشر ساعات، لن ينسى منها أي ألم تسببت به تلك الوجوه الوحشيّة، الّتي كادت تعدم حلم عشرين عاماً بسبب “مقليعة”.





